موارد / القرآن الكريم

مجالس القرآن الكريم*- 1

إذاً فآيات القرآن الكريم يُفسّر بعضها بعضاً كما يُفسّرها الحديث أيضاً، يقول نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: من تمسّك بالحديث الشريف جمع القرآن الكريم. إنه بذلك يبشّرُنا، من تمسّك بالحديث الشريف، وفهمه، وعمل به جمع القرآن الكريم.

القراءة بلغة أخرى

البروفيسور محمود أسعد جوشان
(رحمه الله)

أسأل الله تعالى أن يُبلِّغنا جميعاً حظوةً عند أنبياءه وأولياءه، وخاصة منهم حبيبنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يكرمنا بشفاعتهم وتأييدهم ومعونتهم، آمين، بحرمة اسمه الأعظم، ونبيه الأكرم صلى الله عليه وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً.

من خلال هذه المناسبة الجميلة نكون منذ اليوم، ومنذ ساعتنا هذه قد قررنا عقد مجالس لشرح وتفسير تأويلات القرآن الكريم، ومعانيه الرفيعة، نسأل الله تعالى أن يعينَنا، وأن يجعل التوفيق حليفَنا، ونأمل أن نشرح القرآن الكريم انطلاقاً من سورة الفاتحة، مروراً بجميع آياته بشكل مُنتظمٍ إلى آخره، يسَّر اللّه لنا إتمامه، وجعل ذلك من نصيبنا.

إن أهمية القرآن الكريم وقيمته كبيرة إلى درجة لا يسعها الوصف، وقد ألَّف سلفنا الصالح وعلماؤنا كثيراً من المؤلّفات حوله، ووضعوا كُتُباً من مجلّدات كثيرة تُبيّن فضيلة القرآن الكريم.

إن القرآن الكريم هو الكلام الحق من رب العالمين، وهو أعظم مِنّة وكرمٍ منه إلينا نحن معشر المسلمين. إنَّ القرآن لنعمة عظيمة، فهو أقدسُ كتاب نزل به جبريل من عند الحق تعالى إلى مصطفاه محمد عليه الصلاة والسلام، وهو آخر وأوثق خطاب للإنسانية، حُفِظ من كل تزوير وتحريف، هو كلام الله، وآخر الكُتب الإلهية، كتاب إلهيّ لم تطله أيادي التخريب، ولم ينل منه التحريف، فلم يتغيّر فيه حرف واحد، إنه أوثق حجّة لنا.

فيه خبر أحوال الأمم السابقة وقصصهم وحكاياتهم، وفيه خبر ما سيأتي على الناس من بعدنا، وأمور الآخرة وما هو واقع فيها. بُيِّن فيه طبيعة الأديان والمعتقدات والأقوام التي جانبت الصواب، وذُكر فيه شروط الإيمان المقبول والصحيح عند الله تعالى، فهو من هذا الوجه منجاة لكل البشرية.

يُبيّن القرآن طُرق الفوز بالجنّة، والنجاة من جهنم بصورة قاطعة، فكلُّ مَن نبذه وراء ظهره حطَّم الله تعالى عظامه وظهره، وكُلُّ من بحث عن الحق في غيره أورده الله الضلالة بسبب وقاحته، مَن اتخذه دليلاً فإنَّه يبلِّغُه الجنّة، أما من أعرض عنه فإنه يوقعه في جهنّم. إنه حبل الله المتين، ونوره المبين، وذكره الحكيم، وصراطه المستقيم.

هذه الكلمات مأخوذة من حديث شريف، فالحبل المتين هو الحبل القويّ الذي يُمكنه إخراج من وقع في حفرة أو في بئر إذا تمسّك به، والنور المبين هو نوره الذي تُشرق له الميادين، والذكر الحكيم هو الذكر المملوء حكمة، والصراط المستقيم هو طريق القرآن العظيم، وطريق الله تعالى القويم.

إن القرآن الكريم خزينة وغنى، مرشد ودليل، دواء وشفاء، شفيع مقبول الشفاعة، هو أحبُّ عند الله من السماوات والأرضين، وكلّ ما فيهنّ من خلقه.

إنه شمس الهداية، ووسيلة النجاة، هو تاج على الرؤوس، وعلاج لكلِّ مهموم، هو للعيون نور، وللقلوب سرور.

بذلك في الحديث الشريف، ومتى تمسّك به الناس كان لهم فيه ومنه منعةٌ من ضلال الاعتقاد والإيمان، ومن تخبط الأفكار وتشتّتها. يرتقي عارف القرآن، ويبلغ درجات عالية معنوياً ومادياً، وينال العاملون به مرضاةَ الله، ويكسبون منحاً عظيمة.

مَن حكم به فقد حكم بالعدل، وحقَّق العدالة، ومَن عضَّ عليه بنواجذه أمِنَ الفتن، ونجا منها، ومَن تعمّق فيه حاز علوم الأولين والآخرين.

لقد رُويت حول القرآن العديدُ من الأحاديث الشريفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك أريد بدايةً أن أحدِّثَكم عن فضائل هذا القرآن الكريم من خلال هذه الأحاديث الشريفة، فبشرح هذه الأحاديث ومن خلال القيام بدروس في الحديث قبل الانتقال إلى دروس القرآن الكريم نكون قد اعتمدنا تلك الأحاديث وسيلةً وآلة وجسراً لتحقيق ذلك.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله عز وجل، وعترتي، مَن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة"(1).

سأشرح هذا الحديث الشريف من خلال توضيح معاني الكلمات الواردة فيه، وفي بعض الأحاديث المشابهة له.

يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله عز وجل، وعترتي".

الثقلين هنا يفسرها بعض العلماء بأنها تأتي بمعنى: يا أيها الثقلين؛ أي: أيُّها الإنس والجن، وفسرها بعضهم بأن الثقلين أحدهما القرآن الكريم، والآخر هو عترته؛ أي: أهل بيته صلى الله عليه وسلم.

فإذا كان معنى الثقلين هو المعنى الثاني فإن كتاب الله كتاب رب العالمين العزيز الجليل هو أحد الأمرين اللذين تُرِكا، والمعنى: إني تاركُه فيكم بآياته الموحاة الثابتة، أنا ذاهب عن الدنيا، أمَّا الآيات فباقية بينكم، وعترتي: هم أهل بيتي، سلالتي وأولادي.

مَن تبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة. يعود ضمير المفعول في "تبعه" على القرآن الكريم، كل من اتبع القرآن الكريم فهو على الهدى، وهو على الطريق الصحيح، لم يبرح طريق الهداية، وكل من تركه فهو على ضلالة.

هناك أحاديث شريفة أخرى قريبة من هذا المعنى، مثلاً هناك حديث مبدؤه: "إني أوشكُ أن أُدعَى فأجيبَ"، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: قريباً سيدعوني الله إلى الآخرة، وسأجيب تلك الدعوة، يعني أنني سأفارقكم، وسأرحل إلى الآخرة.

وإني تارك فيكم الثقلين؛ أي: إني تارك فيكم الثقلين أيها الإنس والجن، أو تارك فيكم شيئين هما الثقلين، أحدهما كتاب الله، وعترتي؛ أي: أهل بيتي وسلالتي وأولادي.

كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وكأن كتاب الله حبل نجاة طويل ممدود من السماء، وإن اللطيف الخبير خبّرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض؛ أي: أخبرني الله تعالى اللطيف الخبير الذي لا يخفى عليه شيء أنهما لن يفترقا إلى حين التقائهما بي عند حوض الكوثر؛ يعني أن القرآن الكريم وأهل بيتي سيتلازمان، ولن يفترقا فانظروا كيف تخلفوني فيهما(2).

انظروا وانتبهوا! انظروا ما أنتم فاعلون بالأمرين الجميلين القيّمين اللذين تركتهما فيكم؛ يعني لا تخطؤوا، تمسّكوا جيّداً بالقرآن، وبأهل بيتي.

في حديث شريف آخر: تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعدي إن تمسكتم به، كتاب الله، وعترتي(3)؛ أي: تركت فيكم قبل انتقالي إلى الآخرة أشياء، ما إن تمسكتم بها جيداً

لن تضلوا أبداً، كتاب الله وعترتي، وعترتي: أهل بيتي.

روى هذا الحديث الخطيب البغدادي عن جابر رضي الله عنه.

وروى الأحاديث التي قبله أحمد بن حنبل، وابن عبد البر، وابن سعد، وغيرهم من المصادر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

وسأقرأ عليكم حديثاً آخر في نفس المعنى:

كتاب الله وسنتي لن يفترقا، وفي رواية: لم يفترقا حتى يردا علي الحوض(4).

عن أبي هريرة رضي الله عنه: كتاب الله وسنتي لن يفترقا، لن يتغايرا، حتى يردا علي الحوض.

هنا استخدم كلمة سُنّتي، وعترتي قد تأتي بمعنى سُنّتي إذا كانت تعني أهل بيتي، فهذا يعني أنه سيكون من السُّلالة الطاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم دائماً عباد مباركون، يفسرون القرآن الكريم، ولا يفارقونه، ويُبيّنون جمال الدّين ومُميّزاته بشكل صحيح.

هذا يعني أن القرآن الكريم هو من بين الأمور التي علينا التمسّك بها بعد ارتحال نبيّنا صلى الله عليه وسلم إلى الدار الآخرة، فنبيُّنا صلى الله عليه وسلم أوصى بشدة بذلك من خلال قوله: "تمسّكوا به"، ولقد قرأنا عليكم هذه الأحاديث؛ لأنها تُؤكّد على ضرورة التمسّك بالقرآن الكريم، وتعلّم تأويله وتفسيره وأحكامه.

في حديث شريف آخر يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: مَن قرأ القرآن فحفظه، واستظهره، فأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامه أدخله الله الجنة، وشفَّعَه في عشرة من أهل بيته كلُّهم قد استوجب النارَ(5).

رُوي هذا الحديث في الترمذي، وابن ماجه، وابن عساكر، وابن عديّ عن علي رضي الله عنه، ورواه الخطيب البغدادي نقلاً عن أمّنا عائشة، وهو من الأحاديث التي تمتدح القرآن، ومعناه الجليل كالتالي: كل من قرأ القرآن وحفظه، أو عرف أحكامه واستظهره، والمقصود من الاستظهار هو العمل به، إذا استظهره أي: إذا طبّقه، الكلمة منشؤها "ظهر"؛ أي: ظهر الإنسان، يعني إذا حُمِّلت على ظهره، أي: إذا قبل أحكامه، وحملها على ظهره، وقال بأنه سيحملها، وكِلا الأمرين بمعنى التطبيق، إذا أحلّ ما في القرآن من الحلال، وحرّم ما فيه من الحرام، إذا استنعم بالحلال واستفاد منه، وجانب الحرامَ فإن الله سيدخله الجنّة؛ لأنه تمسّك بالقرآن، وحفظه وطبّقه.

ماذا نفهم من هذا؟ يلزمنا أن ندفع بواحد أو اثنين على الأقل من أبنائنا ممن كانت حافظتهم قوية، وفيهم أهليّة تعلّم القرآن لتعلّم علوم الدين والقرآن. أنا أذكر بعض الإخوة، وبعض طلبتي، وبعض الشيوخ من طلبتي، جعلوا من جميع أبنائهم حُفّاظاً بنين وبنات، ما أسعدَهم! في حديث شريف آخر: ألا من تعلم القرآن، وعلّمه، وعلِم ما فيه فأنا له سائق ودليل إلى الجنّة (6).

وهذا حديث شريف رواه ابن عساكر نقلاً عن أنس رضي الله عنه، انتبهوا وعُوا، كلّ من تعلّم القرآن، وعلَّم ما تعلّمه، ونقله إلى غيره، وتعلّم ما في القرآن الكريم من أحكام، وتعلّم الدّين، كُنت له سائقاً ودليلاً إلى الجنّة، يعني: سأمسك بيده، وآخذه إلى الجنّة، أكون له دليلاً في طريق الجنة، وأبلِّغه إيّاها، وهذا أيضاً من الأحاديث الشريفة التي تُبرزُ أنّ أهل القرآن يكونون من أهل الجنّة.

في حديث شريف آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن القرىن الكريم: القرآن غنىً لا فقرَ بعده، ولا غنى دونه(7). روى هذا الحديث الخطيب البغدادي، والطبراني، وابن عبد البر، وغيرهم نقلاً عن أنس رضي الله عنه. القرآن الكريم غنى، كلّ من حازه لا يرى الفقر، يعني أنه يكون من الأغنياء جدّاً معنوياً ومادياً، وإذا لم يوجد القرآن عند إنسان فلا غنى له. الغنى الماديّ لا معنى له، إذا كان الإنسان لا يعرف القرآن فليس بغني، هو فقير، يعني ذلك أن القرآن الكريم غنى ماديّ ومعنويّ.

روى أبو نصر، والقضاعي عن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه حديثاً شريفاً آخر هو: القرآن هو الدواء(8).

القرآن الكريم هو الدواء، هو الشفاء، هذا الشفاء إلى جانب كونه شفاء للأمراض الفكرية، والاعتقادية، والقلبية، والمعنوية، فسُوَر القرآن وآياته متى قُرِئت ـ لأن الآيات تُبرهن على الحقائق، وتأخذ بأصحاب المعاصي والأفكار الخاطئة إلى طريق الحق ـ كانت أيضاً شفاءً للأمراض المادية التي يُصاب بها مرضى الأمراض العُضويّة.

هناك الكثير من الأمثلة عن ذلك في تاريخنا الإسلامي، وفي أيامنا، فبقراءة سورة يس إحدى وأربعين مرّة أو خمسمئة مرّة يُرزق الولد والذريّة من كان عقيماً وبلا ذرّيّة لسنوات طويلة.

كما شُفي من النّاس من أصيب بمرض مُميت يقطع الأطباء أمامه الأمل بالشفاء، وشُفي من كانت ستُقطع رجله أو يده، يعني أن شفاء القرآن الكريم وعلاجه للأمراض مادّياً ومعنوياً أمرٌ مُجرّب وثابت ومُلاحظ.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: القرآن شفيع مشفّع، وماحِل مُصدق، من جعله إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار(9).
روى هذا الحديث الطبراني، والحلواني نقلاً عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورواه ابن حبان وغيره نقلاً عن جابر رضي الله عنه.

القرآن الكريم شفيع، ولكن كيف؟ أي: إن شفاعته مقبولة، إذا شفع لأحد اعتُبِرَت شفاعته، هو شفيعٌ تُقابَلُ شفاعته بالقبول، القرآن الكريم سيُشفّع، وكلامه معتبرٌ ومُصدّقٌ.

كُلّ من جعل القرآن إمامه؛ أي: جعله دليله، وسار في أثره، أخذه معه وكان له مرشداً حتى يدخله الجنّة.

وكلُّ من جعله وراء ظهره واستدبره؛ أي: أدار له ظهره، ولم يتعلّمه، ولم يسمعه، ولم يفهمه، ولم يعمل به فإنّه يدفعه إلى جهنّم، ويسوقه إليها، يرِدُ ذلك الشخص جهنّم؛ لأنه أعرض عن القرآن الكريم.

وفي حديث شريف آخر رواه أبو نعيم الأصفهاني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نِعم الشفيع القرآن لصاحبه يوم القيامة، يقول: يا رب أكرمه، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيُكسى كسوة الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، ارْضَ عنه، فليس بعد رضاء الله شيء(10).

في هذا الحديث بشرى جميلة ستُسعدُكم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: القرآن الكريم نِعم الشفيع لأهل القرآن، ولأصحابه يوم القيامة.

الحديث يُبيّن كيف سيشفع أيضاً: يأخذ القرآن الكريم بيد صاحبه الذي تعلّمه وحفظه إلى الله ويقول: يا رب أكرم عبدك هذا. وبذلك يُلبس الله تعالى صاحب القرآن تاج الكرامة بشفاعة القرآن، يوضعُ تاج كرامةٍ على رأس ذلك الشخص يوم القيامة.

ثم يواصل القرآن الكريم دعاءه وتضرعه إلى الله تعالى، ويرجوه مرّة أخرى قائلاً: يا رب، زده مكافأة أخرى، وأجزل له فيها، زد في إكرامه يا رب. فيُكسى ذلك الشخص كسوة الكرامة، يوضع على رأسه تاج كرامةٍ، ويُكسى جسده برداء كرامةٍ.

ثم يواصل القرآن شفاعته وتضرعه، فيقول: يا رب زد في إكرام عبدك هذا، زده يا رب، وارض عنه.

ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم في النهاية: فيرضى الله عن ذلك العبد. ليس بعد رضاء الله مكافأة أكبر، أيُّ سعادة بعدُ للعبد إذا رضي عنه الله، فقد حاز على أكبر مكافأة.

يا له من شفيع جميل هذا القرآن الكريم، فلنتمسّك به جيّداً، هو ذا هناك في رفّ مكتبتنا، فلنقبّله، ولنضعه فوق رؤوسنا، ولنعمل لأجله كثيراً.

نواصل مع حديث شريف آخر، فلتزد هذه الأحاديث من شوقنا، ولترفع الحُجُب عن أعيُننا، ولنتمسّك بالقرآن الكريم بشكل أفضل يا إخواني الأعزاء.

أبشروا أليس تشهدون أنْ لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، فإن هذا القرآن سببٌ طرفُه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تضلّوا، ولن تهلكوا(11).

هذا الحديث موجود في كثير من المصادر، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أبشروا، بُشرى لكم، يا لسعادتكم.

ألستم تشهدون أنه لا إله، ولا معبود غير الله؟ ألستم تشهدون أنني رسوله؟ أنتم قوم تؤمنون بذلك. فأبشروا إذاً بأن القرآن الكريم حبلٌ طرفه بيد قدرة الله تعالى، بيده تعالى، وطرفه بأيديكم.

السّبب في العربية يعني الحبل، هو الحبل الذي يتمّ إدخاله بين الأوتاد، فمعناه الأصلي: الحبل.

القرآن الكريم مثل الحبل، طرفه بيد الله تعالى، وطرفه الآخر بأيديكم، إذاً الزمُوا القرآن الكريم، فإنكم إن فعلتم لن تضلوا، ولن تهلكوا.

يوصي النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتمسك الشديد بالقرآن كما لو أننا نتمسّك بحبلٍ فيه نجاتُنا.

أريد أن أقرأ عليكم حديثين شريفين آخرين حول فضائل القرآن، وقد أُلِّفت كُتب كثيرة عن فضائل القرآن الكريم، وذكر العلماء الكثير من الأدلّة الجميلة حول ذلك، وهذان الحديثان اللذان اخترتهما ما هما إلا نموذج عن ذلك.

أخرج الحاكم ما رواه أبو نعيم، عن ابن عمير من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وميسّر على من تبعه، وهو الحكم، وحديثي صعب مستصعب، وهو الحكم، فمن استمسك بحديثي وفهمه وحفظه جمع القرآن، ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة(12).

يقول صلى الله عليه وسلم: القرآن صعب، هو صعب أي: إنّه يُستصْعبُ بالرغم من أنه ليس كذلك في الأصل إلّا أنه شيء تُستشعرُ صُعوبته، وصعبٌ فهمُه، لكن بالنسبة لمن؟ على من كرهه، هو صعب على من لم يحبّه، ولم يرغب فيه؛ لأنّ القرآن لا يُفصحُ عن نفسه، ولا يُنِيلُ فهمَهُ له، من لم يحبّ القرآن لم يفهمه، ولم ينجلِ له.

وميسَّر على مَن تبعه، يَسْهُل القرآن الكريم على من اتّبعه، وينجلي أمامه معناه، فتظهر صُورٌ، وتولد في قلبه معانيه ويفهمه، لا يفهمه من لم يؤمن به، ويُيَسّرُ وينجلي لمن آمن به.

وهو الحكم، والقرآن الكريم حاكم، هو حاكم بين الحق والباطل، هو حاكم أيضاً في قرار المحكمة الكبرى حول صفة العبد.

وحديثي صعب مستصعب، بعد الإفصاح عن صعوبة القرآن يقول النبي صلى الله عليه سلم: وكلامي حديثي الشريف أيضاً صعب، يستصعبُه الناس ويبدو لهم صعباً، لا يقول بأنه يصعُبُ على من لم يرغب فيه، ولا يقول بأنه يُيَسَّرُ لمن أراده، ولكن يمكن أن نفهم نفس المعنى من ذلك، يبدو لمن لا يحبّه عصِيًّا عن الفهم، وكأن به تناقضاً، أمّا من تبعه فينجلي له، ويدركُ دقائقه من أحبّهُ من الناس.

وهو الحكم، الحديث الشريف أيضاً حاكمٌ وحكمٌ مثل القرآن الكريم، لذلك يجب أن يوضع نُصب الأعين عند التفكير في ثواب يوم القيامة وعقابه، حيث ينجو مَن وافق القرآن، ووافق السّنّة، ويهلك غيرهم، فهو من هذا الوجه حَكَمٌ؛ أي: إنّ السنّة الشريفة حكمٌ كما أنّ القرآن الكريم حكمٌ.

فمن استمسك بحديثي، وفهمه، وحفظه جمع القرآن، من استمسك بحديثي الشريف وفهمه وحفظه اكتَمَل بالقرآن الكريم، واجتمع معه، واتّحَدَ به.
القصد من الحفظ هنا هو الأخذ بأحكامه، والأخذ بسُنَّتي، يعني أن طريق فهم القرآن الكريم، والانتماء إلى أهله، ونيل تجليات معانيه، كُلُّ ذلك لا يكون إلا بتعلّم سنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ومعرفتها، وحُبّها، والأخذ بها.
وهذا ما يُظهر جمال طريقنا، ويُبرزُ أنّ شيوخنا من أولياء الله قد بيّنوا لنا الطريق الجميل، فألّفوا لنا كتب الحديث لتربيتنا، وقالوا لنا: اقرؤوها.
في تكيّتنا مثلاً يُقرأ كتاب :راموز الأحاديث"، وطبعًا بقراءة هذه الأحاديث يكتمل الإنسان بالقرآن الكريم، ويتيسّر له فهمه بشكل جميل

؛ لأن الناس الذين في قلوبهم زيغ ومرض وقعوا في الضلالة بسبب مواقعتهم لبعض آيات القرآن الكريم، وخاصة المتشابهة منها، وتأويلهم لها بما يوافق أهواءهم.

وسأضرب لكم مثالاً قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)(13)، يأمر القرآن بعبادة الله حتى يأتي اليقين.

اليقين يأتي بمعنيين، طبعاً إذا فسرناها من ناحية اللغة فإن لها معاني كثيرة، كان لنا أستاذ أوروبي في الجامعة يقول: الطالب خلال تعلّمه للغة أجنبيّة، وعند محاولته لفهم نصٍّ ما ينظر في المعجم، فيجد فيه خمسة، ستة، ثماني، عشرة معان، ولكنّه يختار أبعدها عن المعنى الذي يريده النّصّ.

(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أحد معاني اليقين هي الإيمان، والاقتناع، وعدم الشكك والتردد والشبهة.

بعض الزنادقة الذين فهموا بأن معنى الآية: اعبد ربّك حتى يأتيك الإيمان والاقتناع، ثم اترك العبادة. همُّوا بترك الصّلاة، والدعاء، والصوم، والحج في حين أن القرآن الكريم أحياناً يُقدّم مادّة لفهم هذه الآية، ويشير إليها في آيات أخرى؛ لأن آيات القرآن الكريم يفسّر بعضها بعضاً.

هل يُعقل أن يأمر الله تعالى في بعض الآيات بإقامة الصلاة، والصوم، والعبادة، ويقول في ذات الوقت: عندما تصير مسلماً جيّداً، عندما تصل إلى اليقين اترُك العبادة؟ لا يُعقل.

إذاً فإن لليقين معنى آخر، هذا المعنى نجده في آية كريمة أخرى، حيث يذكر لنا القرآن الكريم أن الكافرين عندما يَرِدون جهنّم يسألهم خزنتُها: ماذا فعلتم حتى وقعتم هنا؟ ألم يأتكم نذير؟ ألم يأتكم القرآن؟ ألم يُحذّركم من جهنّم؟ أيَّ مصائب فعلتم حتى وقعتم هنا؟

فيقول الكافرون والنار تلفحهم: بلى، قد جاءنا رُسُلٌ، وبيّنوا لنا، فأعرضنا عنهم، وكذّبناهم حتى أتانا اليقين؛ أي: انتهت حياتُنا ومِتنَا، لذلك وقعنا في جهنّم.
وبالتالي يظهر من خلال الآية أنّ اليقين هو اسمٌ للموت؛ لأنّه تَيقّن حصولُه للجميع، يعني أن من معاني اليقين أنه اسم للموت، فمعنى الآية: اعبد ربك حتى يأتيك الموت، ولكنهم لا يفهمون هذا.

إذاً فآيات القرآن الكريم يُفسّر بعضها بعضاً كما يُفسّرها الحديث أيضاً، يقول نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: من تمسّك بالحديث الشريف جمع القرآن الكريم. إنه بذلك يبشّرُنا، من تمسّك بالحديث الشريف، وفهمه، وعمل به جمع القرآن الكريم.

ومن تهاون بالقرآن وبالحديث خسر الدّنيا والآخرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من تهاون بالقرآن وأهمله، ولم يُقدّر حديثي الشريف، واستهان به، فإنه يخسر في الدنيا والآخرة، تفسُدُ دنياه وآخرته، يخسر في الدارين ويكون شخصاً ضارّاً لنفسه، ومُستحقّاً للعقاب.

كل ذلك يعني أنه يقول بأنّ القرآن الكريم مُيسّرٌ لأحباب الله وعباده المباركين، يسيرٌ على عباده الآخذين بالسُّنّة السّنيّة، والعارفين بالحديث الشريف، أما الكارهون والمبغضون له والمستهينون به فإن الله لا يفتح لهم معانيه، ولا يُبيّنُها، ولا يشرح قلوبهم للإيمان، وبالتالي فهم لا يمكن لهم أن يفهموا القرآن الكريم، ولا أن يحبُّوه، وإنّما دنياهم وآخرتهم خراب.

أريد أن أُنهيَ كلامي بقراءة هذا الحديث الشريف:

روى أبو نُعيم الأصفهاني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القرآن أحبُّ إلى الله من السماوات والأرض ومن فيهنَّ"(14).

القرآن الكريم أحبّ إلى الله تعالى من السماوات والأرض، وما فيهما من موجودات، وثروات، ونِعم، وكلّ شيء.

وبالتالي فإننا من الآن فصاعداً سنعطي قيمة أكبر إن شاء الله للقرآن الكريم الذي هو أحب شيء إلى الله تعالى، أحب إليه من السماوات والأرض، وكلّ ما فيهما من موجودات.

أسأل الله تعالى أن يلطف بنا، وأن يُعيننا، وأن يجعل توفيقه رفيقنا، وأن يكرمنا بفهم معاني كتابه، وأن يُنعم علينا بتفسيره وشرحه، وبالقول الجميل الصائب، وأن يجزي قارئيه ومستمعيه خير الجزاء، وأن يشرفهم بجنّته وجماله.


* Akra Fm، حديث إذاعي بتاريخ 29/09/1998.

(1) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" ترجمة: أحمد ضياء الدين الكومشهانوي (ص: 144) (حديث 5).

(2) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 144) (حديث 6).

(3) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 250) (حديث 8).

(4) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 339) (حديث 5).

(5) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 438) (حديث 1).

(6) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 170) (حديث 2).

(7) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 227) (حديث 6).

(8) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 227) (حديث 8).

(9) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 227) (حديث 9).

(10) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 453) (حديث 2).

(11) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 7) (حديث 4).

(12) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 227) (حديث 11).

(13) [الحجر: 99].

(14) "راموز الأحاديث ـ Râmûz el-Ehâdis" (ص: 227) (حديث 12).

مقالة “مجالس القرآن الكريم - 1” Professor M. Es’ad Coşan