موارد / عظماء الإسلام

الإمام الأعظم والتصوف*

سنتحدّث عن (الإمام الأعظم والتصوف)، ولكنّ أمامنا مجموعة من المسائل المُشكِلة، إحداها مسألة ماهية التّصوّف، وهناك أنواع التصوّف أيضاً، بالإضافة إلى تطبيقاته المنتشرة في الأمصار، وعلى امتداد التاريخ والأزمان. هذه مُشكِلة، وحتى إذا ما تمّ الاتّفاق على أن هذه الجماعة أو تلك من أهل السّنة والجماعة، ستبقى هناك مشكلة أخرى وهي أن التصوّف مسألة متعلقة بالحياة الشخصيّة للإنسان، وللحياة الشخصيّة حُرمتُها، لذلك قد لا تُعلم كلّ تفاصيلها. وبما أن التصوّف هو طريق التقوى التي تَضُمُّ أنواع العبادات، فقد سعى شيوخنا دائماً إلى إخفاء أحوالهم المعنويّة، وتورية أعمالهم التّعبُّديّة عن الأنظار رغبةً في الهرب من الرياء والسّمعة، ورهبة من التّكلّف، حتى إنه ظهر بعض أرباب التّصوّف والعارفين الذين كانوا يجعلون من أنفسهم منبوذين لدى الناس برغبة ذاتيّة منهم، ويسعون إلى تحقير أنفسهم عن قصدٍ حتى لا يُقبِلَ عليهم النّاس، وأخفَوا أنفسهم وراء الحجب. فلندَعِ المديحَ جانباً، هؤلاء القوم صاروا يحبون المذمَّة، ويسعون حثيثاً في طلبها، لقد أخفَوا أنفسهم طوالَ أعمارهم، حتى لا يضيع ثوابهم، ولا تقِلّ أجُور عباداتهم، كانوا يسعون إلى عدم الإفصاح والإعلام والإفشاء.

القراءة بلغة أخرى

البروفيسور الدكتور محمود أسعد جوشان (رحمه الله)

لقد طُلِب منِّي أن أتحدَّث عن موضوع (الإمام الأعظم والتصوُّف)، وعلى إثر هذا الطلب والاختيار الذي وقع عليّ من حيثُ لم أدرِ وجدتُ نفسي فجأةً وجهاً لوجه أمام مُهمَّة الحديث عن الإمام الأعظم والتصوّف، وهِي لَعَمري مهمّة صعبة جدّاً.

فالصائغ هو مَن يعرف قيمة الجواهر، ونحن من أين لنا أن نتحدَّث عن هذا الشخص المبارك بما يليق بمقامه؟

سنتحدّث عن (الإمام الأعظم والتصوف)، ولكنّ أمامنا مجموعة من المسائل المُشكِلة، إحداها مسألة ماهية التّصوّف، وهناك أنواع التصوّف أيضاً، بالإضافة إلى تطبيقاته المنتشرة في الأمصار، وعلى امتداد التاريخ والأزمان.

هذه مُشكِلة، وحتى إذا ما تمّ الاتّفاق على أن هذه الجماعة أو تلك من أهل السّنة والجماعة، ستبقى هناك مشكلة أخرى وهي أن التصوّف مسألة متعلقة بالحياة الشخصيّة للإنسان، وللحياة الشخصيّة حُرمتُها، لذلك قد لا تُعلم كلّ تفاصيلها.

وبما أن التصوّف هو طريق التقوى التي تَضُمُّ أنواع العبادات، فقد سعى شيوخنا دائماً إلى إخفاء أحوالهم المعنويّة، وتورية أعمالهم التّعبُّديّة عن الأنظار رغبةً في الهرب من الرياء والسّمعة، ورهبة من التّكلّف، حتى إنه ظهر بعض أرباب التّصوّف والعارفين الذين كانوا يجعلون من أنفسهم منبوذين لدى الناس برغبة ذاتيّة منهم، ويسعون إلى تحقير أنفسهم عن قصدٍ حتى لا يُقبِلَ عليهم النّاس، وأخفَوا أنفسهم وراء الحجب.

فلندَعِ المديحَ جانباً، هؤلاء القوم صاروا يحبون المذمَّة، ويسعون حثيثاً في طلبها، لقد أخفَوا أنفسهم طوالَ أعمارهم، حتى لا يضيع ثوابهم، ولا تقِلّ أجُور عباداتهم، كانوا يسعون إلى عدم الإفصاح والإعلام والإفشاء.

وكمثالٍ على هؤلاء نذكر شيخنا (عمر نصوحي بلمان) مفتي إسطنبول رحمه الله، يعرف الجميع أنَّه أصبح في زمنه وزيراً للشؤون الدّينيّة، ولكن مَن يعرف أنه كان أخًا لنا في الطريقة؟ قليل جداً من الناس يعرفون، والباقون لا يعرفون ذلك. لماذا؟ لأن هذا المبارك أخفى ذلك، هل أخفى ذلك بسبب خوفه؟ لا، ربّما خاف، لكن خوفه كان من اللّه، خاف أن يكون مُرائيًا، لذلك أخفى الأمر، كتم الأمر وأخفاه؛ لأن هذا العمل سريٌّ، ويتعلّق بالحياة الشخصيّة، إنه مسألة بين العبد وربّه.

أنا أيضاً لم أكنْ أعرف بالأمر، وعندما سمعت من شيوخنا دُهِشت، كان يتربَّى عند أحد المحترمين من خُلفاء مشايخنا ممّن تولَّوا الإفتاء بإسطنبول، فانتسب إليه، لكنّ أحداً لم يكن يعلم بذلك، وأنا أُذيع ذلك الآن؛ لأنه تُوُفّي رحمه الله تعالى.

عند طرح موضوع (الإمام الأعظم والتصوّف) يجب أن نُفكّر مليّاً: ماذا سنصنع، وكيف سنتناول الموضوع؟

سنشرح التّصوّف، ومن ثَمَّ سنستعرض ممّا ذُكر في الكُتب أوصاف الإمام الأعظم، وشمائله، ونبذة عن حياته الخاصّة، وعلى إثر ذلك فليُقرّر كلّ واحد بنفسه ما النتيجة؟ طبعاً نحن أيضاً يمكن لنا القول بأنَّ القرار كذا وكذا.

ما التصوّف؟ علم التّصوّف هو أشرف العلوم الإسلامية، وشرف هذا العلم يتناسب مع شرف محتواه وموضوعه، فما دام هدف التصوف هو معرفة الله فهو بذلك أشرف العلوم الإسلامية.

لقد عرّف العلماء التصوُّفَ بالعديد من التعريفات، ويُذكرُ في أحد كُتب التصوف أن أحد المحترمين جمع في كتابه ما يقرب من الألفي تعريف للتصوف.

أنا لم أرَ ذلك الكتاب بعد، ولكنّني قرأت هذا النّقل، والحقّ أن الكتاب أثار اهتمامي، حتى أرى كيف وُضعت تلك التعاريف؟

لقد جمع ألفي تعريف، مَن يدري لعلَّ كلّ تعريف منها مثل الزهر، أو مثل باقة من الزهر تُلامس كلّ واحدة منها نقاطاً مختلفة من المعاني، فمن المؤكّد أن تعاريف وآراء كلّ العلماء قيِّمةٌ جداً.

يُربي التصوّف النفس والإرادة على حدٍّ سواء، إنّه حسن الخُلق، وأداء الأعمال الصالحة على أصولها بما يوافق شروط الظاهر والباطن.

التّصوّف قلب الإسلام، ومُقتضى الإيمان، ونتيجته ومظهرُه، إنّه ظاهر الإسلام.

وبما أن الإسلام قد انتشر في أربع أو خمس قارات بعد مرور أربعة عشر قرناً على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أن عادات الناس وأذواقهم وأعرافهم ومستوياتهم الثقافية تختلف باختلاف البلدان، فمن الطبيعي أن تختلف أشكال التصوف ومظاهره بين مصر وخراسان واليمن والأناضول والبلقان والجزائر وتونس وغيرها من البلدان من حيث تطبيقات التصوّف.

وعلى فرض أننا تساءلنا: إذنْ ما أصل هذا وأساسه؟

فالجواب: أن التصوّف من حيث الأساس هو علم حال، وليس علم مقال، ومقال تعني الكلام، في حين يعني الحال الوضع الفعليّ للإنسان.

فالتصوّف ليس كلاماً، بل عمل، ليس تنظيراً، بل هو أسلوب حياة وممارسة، إنه ليس علماً فقط، بل تطبيق لذلك العلم، وعمل به.

وعليه، فإنَّ على الإنسان أن يتحلَّى بالأحوال التي أمر بها القرآن، وأن يتخلَّق بأخلاق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد كان خُلُقه القرآنَ([1]).

إن التصوُّفَ بالضّبط هو أن يكون المرءُ من أهل القرآن، أن يكون مُسلماً على الصورة التي تقتضيها السُّنة السَّنيَّة، مُسلماً بدون نقائص.

وطبعاً عندما يكون الكمال موضوعاً للبحث؛ أي: موضوعَ التزامِ المسلم الكمال، واتباع القرآن الكريم والنبي المصطفى r بشكل تام، فممَّا لا شكّ فيه ولا شُبهة، ومن اللازم المُتأكّد أن يكون المسلم دائماً مع القرآن الكريم والسنة السنية.

ولو بحَثْنا في حياة الأولياء والصوفيِّين الكِبار، وقرأنا مناقبهم لوجدنا أنهم جميعاً بذلوا مجهوداً كبيراً في ساحات الحديث، والعلوم القرآنية، والتفسير، والفقه، وتعمّقوا في أصل الدّين، وماهيته، وأسراره، واستوعبوها وفهموها، لذلك قال أحد أولياء الله المُحترمين: "ما اتخذ الله وليّاً جاهلاً، ولو اتّخذه لعلَّمَه".

لا يكون جاهلاً، بل عارفاً، يعرف أصل الدّين، يعرف القرآن الكريم، وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وطريقته، ويكون أحسن منْ طبَّقَ ذلك واقعًا، هذا يعني أن التّصوّف في الأصل هو طريق القرآن الكريم، وطريق سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

إذا كان التصوف طريقَ القرآن الكريم، وأردنا أن نعرف من أين ينطلق؟ فسنجد أن مواضيع التصوّف تأتي على رأسها معرفة الله، وعشقه ومحبّته.

انظُروا في أشعار (يونس أمره)، ومؤلّفات مولانا (جلال الدين الرومي)، كُلُّها ملأى بمحبّة الله.

يقول أشرف أوغلو؟

بالغن جانني سو ده دري در *** الاهي بالغي كولدن ايرمه([2])

إذا خرجت السمكة من الماء تموت، ولا يمكن أن تعيش، لا تُبعدني ـ يا ربِّ ـ أنا أيضاً عن حبّك وطريقك، فكما تختنق السمكة عند خروجها من الماء أنتهي أنا إذا فارقَني حُبُّك.

كُنّا قد بدأنا بقراءة حياة السّريّ السّقطي ومؤلفاته وكلماته في كتاب "طبقات الصّوفيّة"، كان للسّريّ السّقطي دُعاء يقول فيه: "اللَّهُم ما عذّبتني بِشَيء فَلَا تعذّبني بذُلِّ الحجاب"([3]).

إنّ الصّفة المشتركة بين جميع الصّوفيّين هي معرفة الله، والغرق في حبّه وعشقه بحسب نسبة تلك المعرفة، والعيش بمحبّة الله وعشقه. ما الدليل على هذا الأمر؟

يُخبر القرآن الكريم من خلال الآيات المُتعلّقة بغزوة بدر بأنّ: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}([4]).

كان بعض المسلمين يقول: "فلنُهاجم قافلة قريش ولنقطع الطريق أمامهم فنغنَمَ أموالهم، مالُ الكُفّار غنيمة للمسلمين فلنأخذه"، أما الآخَرون فلم يكونوا يفكّرون في المال والمتاع الدّنيوي، بل كانوا يقولون لأنفسهم: "فلنفعل ما يرضي الله تعالى، أُمِرْنا بالقتال، وسنُقاتل حتى يُهزم الكُفّار، ويزول الكُفر".

وفي الآيات الأخرى التي نزلت بمناسبة الحجّ، يقول الله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}([5]).

من خلال ما ذكرته الآيتان الكريمتان ينقسم الناس إلى مؤمنين وكافرين.

ويُستفاد من الآيتين وجود فئة المنافقين، فهم من حيث الأساس في منزلة بين الفريقين، يتنقّلون حسب تغيّر الأحوال بين الفريقين، مرّة مع هؤلاء، ومرّة مع أولئك.

كما تتحدّث بعض الآيات عن آخرين يريدون وجهه تعالى مثل سورة الكهف، حيث يقول المولى عز وجلّ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}([6]).

يُفهم من الآية أن هناك زُمرة من الناس يُحبّهم الله تعالى حُبّاً عظيماً؛ لأنَّهم يتضرَّعون إليه، ويدعونه ليلاً ونهاراً لا لشيء إلا لشدّة تعلُّقهم به سبحانه، ولفرط حبّهم وعشقهم لذاته الجليلة.

ويعني ذلك أيضاً أنّ أصحاب الصُّفَّة، ومعظم الصحابة الكرام هم من هذه الزمرة.

وبما أن المولى تعالى أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أنْ: "كُنْ مع هؤلاء، والزم صحبتهم، ولا تستجب لدعاوى الآخرين؛ لأنهم يريدون مجلساً آخر، إنهم يرون أن هؤلاء الفقراء وضيعين وحقيرين، ولكن قلوبهم غنيّة؛ لأنهم أحباب الله، إنَّ دعاوى الآخرين لا أساس لها، ولا قيمة، فلا تتبعهم"، فهذا يعني أن مرتبة هؤلاء القوم عالية جدّاً.

معرفة الله تعالى ومحبّته، هذا موضوع من مواضيع التّصوّف.

تزكية النّفس: يوجد في داخل الإنسان شيء يُسمّى بالنّفس، يقول الله تعالى في أمر هذه النّفس: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}([7]).

يُقال لهذه النّفس المذكورة في الآية الكريمة: "النّفس الأمّارة"؛ لأنها كثيرة الأمر بالسّوء، تأمر الإنسان في كُلّ الأوقات من الدّاخل بإصرار شديد: "افعل هذا، افعل هذا، افعل هذا"، من خلال التّحريض تأمر الإنسان برغباتها، وتُضيّق عليه، وتضغط عليه.

في عصرنا يُسمُّون هذه النّفس بالـ"إيغو"، و"الأنا"، و"الذات" ...، وقد أمر الله تعالى بضرورة تربية هذه النّفس، وأشار إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}([8]).

تأمرُ هذه الآية الكريمة على غرار آيات أخرى بتربية هذه النّفس، حيث إن تطهيرها من العيوب والسيّئات، وإصلاح شأنها، وردَّها إلى الجادّة، والتّدرُّجَ في تربيتها وإعلائها فرضٌ، بل فرض عين، وعلى الجميع أن يقوم بذلك، وقد بيّن ابن عابدين ذلك في كتابه بكلّ وضوح، فهذا أمرٌ معلومٌ أصلًا، أمر مقطوعٌ به، ولا يقبل المُناقشة والبحث، هذا من أمور التّصوّف.

تصفية القلب: ليس القلب قطعة من اللّحم، إنّه الحقيقة المعنويّة التي أودِعت ذلك القلب, نحن نُسمِّيه بالقلب [gönül] (في اللغة التركية هناك فرق بين القلب (kalp) الذي هو اسمه العام الشامل للمعنى المادي والمعنوي، والقلب (gönül) الذي هو مكمَنُ المشاعر والعواطف)، لذلك يجب على الإنسان أن يحرص على صفاء قلبه، وقد قال أحد الشعراء:

سور كدر أغياري ديلدن تا تجلي اده حق

باديشاه كونماز صرايه، خانه معمور اولمه دن([9])

إنه بيت جميل جدًّا، دائماً ما يستشهد به شيوخنا وينشدونَه، ونحن أيضاً نُحبّ هذا البيت، ومعناهُ: "أخرِجْ من قلبكَ كل ما سوى الله ، وكلَّ الأغيار، وكُلَّ هدفٍ وفكرةٍ فارغةٍ فانية، وارمِ كُلّ ذلك خارجاً، لا تُبقينَّ من ذلك شيئاً في بيت القلب، فلو لم يكن البيت جميلاً وعامراً فلا يمكنُ أن ينزلَ سُلطانٌ في خرابة مثله".

ألم ترَ أنَّ السلطانَ إذا سافر من مكان إلى آخر، أو قدِم إلى بلدة ما حرِص أهل تلك البلدة على إنزاله بأحسن مَضافةٍ أو قصرٍ، وأنَّه إذا نزل ضيفًا عند أحدهم رتّبوا له المنزل، ونظّفوه من الغبار والقمامة، وهيّؤوه له، فكذلك إذا أردتَ أن تحظى بنزول تجليات الله على قلبك فعليك أنت أيضاً أن تُنظّف ذلك الموضِع، يجب تنظيف قلبك، أخرج منه الغايات الغريبة، والأفكار الغريبة والعابرة، والرغبات والأهداف البسيطة المتعلّقة بالعالم الفاني، يجب تصفية القلب وتنظيفه.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العبد إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبه نُكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كلّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}"([10]).

حتّى إذا فرضنا أن القلب مثل المرآة، فإن المرآة المُغطّاة بالبقع السوداء لا يمكن أن تعكس الصّور، بل يجب مسحها وتنظيفها، وأحياناً تستشري هذه البُقع في القلب فتُميتُه، أو تجعله كالحجر، أو أشدَّ منه قسوةً، وحتى الحجارة بعضُها جميل، لكن القلب إذا كانت حاله كما ذكرنا فهو أسوأ من الحجارة، أما أصحاب تلك القلوب فـ{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}([11]). لذلك وَجَب تنظيف هذا القلب وصقلُه ومسح صدئِه؛ وهذا أيضاً من بين أعمال التّصوّف.

تهذيب الأخلاق: يجب التّحلِّي بمحاسن الأخلاق، والتخلّي عن مساوئها، والتطبُّع بالطّباع الجيّدة، فالأخلاق الحسنة هي السبيل إلى جعل النّاس أشخاصاً مُفيدين في المجتمع، أما مساوئ الأخلاق فلا تُنتج إلّا أشخاصاً مفسدين في المجتمع، "أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ"([12])، وفي المقابل أكثر ما يكُبُّ النّاس في جهنّم سوء الخُلُق.

حتى المؤمنون الذين يشهدون بأن لا إله إلا الله سيدخل كثير منهُم لمُدّةٍ في جهنّم جزاءً بما جنَوه من أعمال سيّئة، ولسوء خُلُقهم، وهذا يعني أن سوء الخُلُق قد يُودِي بصاحبه إلى جهنّم، ويمحق صالح أعماله، ودليل ذلك حديث: "إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ"([13]).

فالحسد إذنْ يمحق حسنات الإنسان، ويجعلها تحترق وتنتهي حتى تغدُوَ رماداً، لذلك يجب تقويم الأخلاق وتحسينها.

ومن المعلوم عندنا جميعاً أنَّ لكُلِّ إنسان ظاهراً وباطناً، ونحن لا ننظر إلى ظواهر النّاس، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم أخبرنا بذلك، فقال: "إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى أجسامكم، ولا إلى صُوَرِكم، ولكنْ ينظرُ إلى قُلوبِكم"([14]).

لذلك فإنَّ أحدنا مهما كان لباسهُ حسناً، مثلاً إذا جاءنا خاطباً لابنتنا، فمن المؤكّد أنّه سيرتدي لباسًا جيّداً؛ لأنه خاطب، وسيتزيَّن قبل المجيء، لكن علينا أنْ لا ننظرَ إلى ظاهره، بل نستقصي، سنبحث عن "ما لهذا الشخص، وما عليه؟ ما تعليمه؟ كيف هو؟ كيف رفاقه؟ كيف أخلاقه؟ هل هو من عائلة محترمة وملتزمة؟"، نسأل لنعرف أخلاقه، ونفعل الشيء نفسه إذا تعلق الأمر بالبحث عن بنت للزواج، لا نتزوج بسرعة لمجرّد قولهم: "البنت الفلانيّة جميلة"، حتى إن للنبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك نصيحة وتوصية: "تنكح المرأة لأربع: لمالها, ولجمالها, ولحسبها, ولدينها، فاظفَرْ بذات الدِّين ترِبَتْ يداكَ"([15]). فيُنظرُ في حالها: هل هي متديّنة؟ هل هي من أهل التقوى؟

كان عمر رضي الله عنه في ليلة من الليالي يتفقد الرعية، فمرّ على امرأة ومعها ابنتها، والمرأة تقول لابنتها: "ضَعِي قليلاً من الماء على اللبن، اخلُطي شيئاً من الماء في إناء اللّبن"، فقالت البنت: "أما سمعتِ قرار أمير المؤمنين عمرَ بمنع خلط اللبن بالماء؟"، قالت المرأة: "مِن أين سيعرف عمرُ يا عزيزتي ما يحصل داخل البيت؟ افعلي ما قلتُ لك"، فردّت البنت: "أمَّاه! إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا أليس الله يرانا؟".

لقد ساق الله عمر إلى هناك، وقدّر له سماع كلامهما من خارج البيت، فعلَّم البيت، البيت الفلاني في الزُّقاق الفُلاني، وفي اليوم التالي ذهب إلى بيت البنت وخطبها لولده([16]).

لماذا؟ لأنه رأى مخافةَ البنتِ لله، لم يرَ وجهها، ولا يعرف حالها هل هي عرجاء، عمياء، قبيحة، طويلة، سوداء، نحيلة، قصيرة، شقراء، سمراء، زرقاء العينين؟ هو لا يعرف كلّ ذلك، ولكن ما دامت تعرف أن الله يراها، ووصلت إلى ذلك الشعور، فهو يريدها زوجة لابنه، ومن تلك الذّريّة يُخرج الله ذرّية صالحة، هذه البنت هي جدّة عُمر بن عبد العزيز([17]).

وهكذا أيضاً حال الناس الذين رضعوا حليباً حلالاً، وتغذَّوا بالحلال، يرزقهم الله ذرّيّة طيّبة.

ونحن في أمور دنيانا لا ننظر إلى ظاهر الناس فحسب، لا نجلب الشخص إلى خزنة أموالنا ونؤمّنه عليها, بل نسأل عن أخلاقه أولاً، هل هو لصّ، وقح، عديم الحياء، عديم التربية والأدب؟ فليكن وجهه أجمل الوجوه، ولتكن ثيابه كأجمل ما يكون، إذا اتضح لنا أن رجلًا ما مُحتالٌ، أو سكّير، أو عديم خُلُق فيجب أن لا نستأمنَه على الخزانة، ولا نزوّجه من ذرّيتنا، ونقطع صداقتنا معه. أليس كذلك؟

هكذا إذنْ لكلّ شيء ظاهر وباطن، حتى العبادات التي أمر بها الله عز وجل لها ظاهر وباطن من حيث المظهر الخارجي.

للصّلاة مثلاً شروطها الخارجية، وشروطها الباطنيّة، يتوضّأ الإنسان، ويستر عورته، ويتطهَّرُ من الحدث والنجاسة وغير ذلك... يؤدّي الإنسان الشروط الخارجيّة، ولكن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}([18])، يعني أن الله عزّ وجلّ لا يتقبل عبادة الجميع، إنّما يتقبل عبادَه المُتّقين، فالتّقوى ليست شرطاً خارجيّاً، بل باطنيّ، هي لا تُرى من الخارج؛ لأنها تختصّ بالقلب، ويعني ذلك أن قبول العبادة مرهون بالشروط الباطنيّة.

يقول النّبي صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامِه الجوعُ والعطشُ"([19])، لماذا؟ لأنّه لم يُؤدِّ الشّروط المعنويّة للصّوم، ولم يرعَها، اغتاب، ونظر إلى الحرام، وكذب، وافترى... فضيّعَ ثواب الصّوم. لم يكن له عند المغرب من صومه سوى الجوع والعطش.

" وَرُبَّ قَائِمٍ حظُّهُ مِن قيَامِه السَّهرُ"([20])، لماذا؟ لقد صلّى، ولكنّه لم يُراعِ الشّروط المعنويّة للصّلاة. هذه أحاديث شريفة.

"رُبّ قارئ للقرآن لا يُجاوز حنجرته إلى قلبه"([21])، ذلك يقرأ القرآن والقرآن يلعنه.

"رُبَّ تَالٍ لِلْقُرآنِ، وَالْقُرآنُ يَلعَنُهُ"([22])، يلعنه القرآن، ويقول: "عليك من الله ما تستحقّ"، قد يكون مُستحقّاً للعنة القرآن الكريم.

وهكذا مع الصوم، ومع الصلاة، ومع الحجّ... إذا حجَّ الإنسان مع الرّفث والجدال والفسوق؛ أي: مع سوء الخُلُق والمشاحنة والمشاجرة فلن يُقبل حجُّه.

إذنْ فللعبادة شروط ظاهرة، وأخرى باطنة، هذا ما أسعى إلى توضيحه.

سأنقل حديثي إلى اتجاه آخر، فالفقه أيضاً من هذا الوجه له نوعان.

1ـ فقه الظاهر، وهو فقه الأحكام الظاهرة.

2ـ فقه الباطن، وهو القسم من الفقه الذي يُعنى بالشروط المتعلّقة بالباطن.

فكما أنَّ الإنسان إذا أراد الصلاة توضّأ لها، فكذلك عليه أن يحرص على الخشوع فيها، وكما أنه في حال صومه يُقلع عن المأكل والمشرب، فعليه أن يحرص أيضاً على الإقلاع عن سوء الخُلُق والغِيبة والنّميمة. وكما أنه إن أراد الحجَّ تحرَّى أن يكون مال حجّه حلالاً، فإنّ عليه أن يحرص على تجنُّب إتيان الأعمال التي حذّرت منها الآية الكريمة، فلا يجادل ولا يرفث ولا يفسق؛ أي: إنّ عليه أن يعرف الشروط المعنوية لكُلّ الأعمال، وأن يسعى إلى القيام بشروطها الظاهريّة والباطنيّة على حدّ سّواء.

والآن ها نحن نصل إلى الإمام الأعظم.

إذا ما سعى الإنسان إلى أن يكون مسلماً مُتميّزاً، تامَّ الاستقامة على الصورة التي بيَّنها علم التصوف، وإذا ما اهتمَّ بباطنه كما اهتم بظاهره، وبقلبه كما قالَبه، ونظّف داخله، وجمَّل أخلاقه وأفكاره وإخلاصه، فماذا سيحصل نتيجة ذلك؟

نتيجةُ هذا العمل هي أن يصير هذا الإنسان عبدًا يحبّه الله تعالى، وأعلى مرتبة يمكن للإنسان الوصول إليها هي أن يكون عبداً يحبّه الله، فإذا أحبّه الله حبَّبه إلى عباده، وإلى مخلوقاته([23])، حتى الطيور تُحبّه والحشرات والجِمال والغنم.

أمَّا عديمو الإيمان فلا يحبونه بسبب ظُلمة نفوسهم، وعدم قابليّتها، عديمُو الإيمان لا يحبّون المؤمن الكامل، وكذلك الضُّعفاء والمنافقون لا يحبونه، وهذا قانون، فمنذ زمن سيدنا آدم إلى زمننا هذا كان للأنبياء دوماً أعداء وخُصوم، حتى إنّ بعضهم قُتل، ورُجم بعضهم بالحجارة، وتعرّضوا لأنواعٍ من الأذى والجور، بالرغم من كونهم عبيداً يحبّهم الله إلا أن أصحاب النُّفوس المظلمة لم يكن لهم نصيب من حُبّهم، هؤلاء لا يمكن أن يحبّوهم، إنما يحبُّهم المؤمنون والعارفون وخِيارُ النّاس.

فكما أن الصائغ هو مَن يعرف قيمة الجواهر فكذلك حبُّ هؤلاء لا يعرفه إلا الأخيار، والأشرار قد لا يقدرون على حُبّهم، لذلك فكما أنه من الطبيعي أن يكون للإنسان أصدقاء، فكذلك عداوة بعض النّاس للمؤمن الكامل أمر عاديّ أيضاً، بل هو حتميّ.

قِيل بين يدي أحد أولياء الله: "إنّ هذا رجل ليس له أعداء أبداً"، فَقَطَّبَ حاجبيه وقال: "إذنْ فهو رجل منافق". الرّجل الذي لا أعداء له رجلٌ منافق، فهذا يعني أنه يتملّقُ الجميع، ويوافق الأشرار والأخيار على السّواء، أمَّا الشّخص الخيِّرُ فيُعارض الشّرّير، أنا أقول هذا وأؤكِّد على أهمّيته.

كيف يكون الإنسان صاحب الخُلُق الحسن؟ يألف ويُؤلَف، ولكنَّه يتمسّك بالحقّ ويُعليه، ويكون إلى جانبه ويدعمه، حتى أنه يمكن يعادي كافة الناس في سبيل مرضاة الله تعالى، هل أنا أُبالغ؟ لا.

هل كان هناك من يحبّ سيّدنا إبراهيم في مدينته؟ أغلبهم يعبدون الأصنام ولا يحبّونه، وهو أيضاً عزم على تحديهم جميعاً، كان يقول لهم: "سأكيد بأصنامكم، وأجعل منها حطاماً"([24]) بكلّ شجاعة ورجولة وبسالة ووضوح، وقد فعل ذلك فعلاً، حطّم أصنامهم، فماذا فعلوا هم؟ صاروا أعداء له، وسَعَوْا إلى قتله وحرقه.

من الطبيعي أن يكون للإنسان أصدقاء، ومن الطبيعي أيضاً أن يكون له أعداء.

وبما أن موضوعنا سيكون الإمام الأعظم، فإن ما سأقوله أهمُّ قليلاً، لذلك سأسطّر تحته بثلاثة أسطر أو خمسة: يمكن أن يكون للإنسان أعداء.

والإمام الأعظم أكبر أئِمّتِنا، ولكن له أيضاً عدد كبير من الخُصوم بالنّسبة إلى حجمه، فمن الطبيعي أن يكون ذلك، فبمجرّد أن يقول إنسان الحقّ حتّى يُخرجُوه من تسعة قُرى، لا يجد له مكانا يأوي إليه، ولا يعرف لذلك سبيلاً.

لقد كان بعض اللّه أولياء يضرب بالحجارة، ولم يطيقوا البقاء في أوطانهم، واضطرّوا إلى الهجرة، المهمّ هو محبّة الله وملائكته والصّالحين، أمّا الباقون فهُم امتحان، لا ضيرَ في ذلك. حتّى مع الأنبياء حصل هذا.

يكون الإنسان ذا نفع للنّاس، وحبيباً لله، فيعرف من يُحسن التّقدير كم هو إنسان كامل وطيّب وجميل، ثمّ يصل بعد ذلك إلى مراتب الكرامات الماديّة والمعنويّة، ويصبح وليّاً، فتظهر عليه الكرامات.

هناك حديث يُسمى بحديث "قرب النّوافل"، "ما تقرَّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه"، يُصلّي ويصوم، هذا يُرضيني، ولكنّه إلى جانب الفرض يأتي بما نُسمّيه بالنوافل رغبة في مزيد من الثواب، من شدّة حُبّه وعشقه:

"لاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ"، لا يزال عبدي يتقرب إليّ بجميل العبادات والطاعات والأذكار والصلوات والصّوم "حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به"، ولسانه الذي يتكلم به، "ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"([25])، بي يسمع، وبي يُبصر، وبي يتكلم، ومني يتكلم، وبي يبطش، وبي يمشي.

يصل اللّه به إلى هذه الدّرجة، إذنْ فالله يرزقه في الصّحراء، ويُطيّره في الهواء، ويُكرمه بطيّ المكان، وكشف القلوب، يُظهر عليهم كثيراً من الكرامات، ولكنّهم لا يلتفتون إليها، الكرامات إكرامات من الله، ولكنّها ليست غاية لهم إنما غايتهم مرضاة الله، الكرامة إكرام وتكريم، إنها إكرامٌ من الله، وهؤلاء القوم كُلّما نالوا من الكرامات أكثر ارتفعت أحوال خشية الله ومخافته عندهم، وانحنت رقابهم أكثر، ويقولون: "أستغفر اللّه، إنّما أنا عبد خطَّاء".

ويُروى عن السّريّ السّقطي أنه قال: "ما أرى لي على أحد فضلاً"، قيل: ولا على المُخنّثين؟ فقال: "ولا على المُخنّثين"([26]).

والإمام الرّباني صرّح أيضاً بقوله: "أرى نفسي أدنى من جميع النّاس"، يُفكّر بأنه لم يعبد اللّه حقَّ عبادته.

أذكر هؤلاء عند الحديث عن حال الإمام الأعظم، هؤلاء قوم تظهر عليهم كرامات الله، ويُقوّيهم الله دون أن تكون لهم جُيوش، ويرسل إليهم أرزاقهم وإن لم يعملوا في الأسواق، مثلما رُزقت السيدة مريم في محرابها بغذاء وفاكهة لا تنضج في ذلك الموسم... هذا في القرآن: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}([27]).

بمُجرّد أن يصير الإنسان عبداً يُحبّه الله حتى يحصل معه هذا، يُصبح خليفة لله في أرضه، ويحظى بالخلافة الكُبرى. طبعاً هذه الأمور لا يعرفها الجميع، ولكن لأن قولها مُتأكّد فعلينا أن نذكرها ولو بكلمات قصيرة قليلة.

ومن المعلوم أيضاً أن أعظم شرف هو أن يكون الإنسان عبدًا يُحبّه الله، أن يعيش الإنسان عبداً شريفاً، وأشرف عبد، وإنساناً كاملاً، هؤلاء هم محاور الأمّة المُحمّديّة، ولن تقوم الساعة ما دام هؤلاء موجودين، ما دام على وجه الأرض عبيد أحبابٌ حقيقيّون يقولون: "الله، الله" لا يُقيم الله القيامة على رؤوس هؤلاء، فمن جهةٍ هم أنفسهم يرتاحون، ومن جهة أخرى تستفيد الأمّة من وجودهم ومن علومهم وعرفانهم، هؤلاء الناس يكون الواحد منهم خيِّرًا من رأسه إلى أخمص قدميه، من رأسه إلى أخمص قدميه نورٌ وفيضٌ وخيرٌ ومنفعة وفائدة.

فلنأت الآن إلى الإمام الأعظم:

يجب أن نعرف الإمام الأعظم من خلال عصره وبيئته، فلفهم أي إنسان بشكل جيّد يجب أن نعرف بيئته ومحيطه ومُقتضيات عصره؛ لأن الشيء الأساسي في التّصوّف هو السعي إلى القيام بأنفع الأعمال من أجل النّاس المحيطين بنا، فشيوخنا من أولياء الله كانوا يتخلّون أحياناً عن النّوافل، ويسرعون إلى تلبية احتياجات الناس وخدمتهم؛ لعلمهم بأن السعي في خدمة الناس والمخلوقات من العمل المقبول عند الله، فقد كانوا حريصين على تلبية الاحتياجات مهما كانت.

في التصوّف الحقيقيّ الذي هو طريق السائرين في طريق العلم، لا مكان للتّصنُّع والتفاخر، ولا مكان للشعوذة وما شابهها من الأشياء التي يكشفها بسهولة من يشاهدها عِياناً، هؤلاء لا يُحبّون حتى الكرامة، لذلك يقول أحد المباركين: "مَن أظهر كرامته فهو مُدّعٍ، ومن ظهرت عليه الكرامة فهو وليٌّ"([28]).

تنزل البركة على المكان الذي يطؤُه، ويطيبُ المكان الذي يذهب إليه، وتُؤثّر كلماته، وتفعل نظراته فعل الكيمياء، فأحياناً تكون كلمة واحدة منه سبباً في هداية إنسان، وعودته إلى جادة الصواب.

إذا ظهرت عليه الكرامات وإكرام اللّه فهو وليٌّ حقيقيّ، أمّا مَن يدّعي الكرامة وينهض للمتاجرة بها فقد قالوا بتخطِئته.

لقد اتّخذ أولئك الكبار من بين أساسيّاتهم عدم الانزواء عن الناس، بل الاختلاط معهم، والسعي في خدمتهم، والتزام التّواضع، وإخفاء أحوالهم، لذلك فإننا في طريقنا هذا تعلّمنا مسألة من شيوخنا، ولعلّكم أيضاً سمعتم بها؟ قد يتعبّدُ الإنسان في رأس جبلٍ، أو في مغارة، أو صومعة، أو تكيّة، أو حجرة، أو خلوة، لكن الأصل أن يحمي الإنسان إيمانه عندما يكون داخل الجماعة والمجتمع، وعند اختلاطه بالنّاس وامتزاجه بهم الأساس هو أن يحافظ على ذلك الإيمان، لذلك قالوا عن هذا "أن تكون بين الخلق، ومع الحقّ"، أو "خلوت در انجمن".

{رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}([29]).

تُشير الآية الكريمة إلى حال مَن يكون بين النّاس وقلبُه مع الله، أن تكون يده مشغولة بالعمل وقلبه مع اللّه عزّ وجلّ، يده مشغولة بالبيع والشراء، وقلبه مشغول بالله تعالى المحبوب الحقيقي، مع تجنّبهم لتصنّع ذلك له سُبحانه.

فشيوخنا مثلاً يُنقل عنهم أنهم لم يكونوا يرغبون في التّزيِّي بأزياء خاصّة، وكانوا يلبسون كما يلبس عُموم النّاس، ويتجوّلون بثياب طلبة المدارس. هذا يعتبر في الطريقة مشربًا سعادة وذوقًا ورأياً.

وأريد هنا أن أُشير إلى أمرٍ، وهو أن بعض النّاس لا يمكن أن تعرف أنه صوفيّ من خلال مظهره، فهو اختار أن لا يُعرَف، لا يتعمّد أيَّ فرقٍ في ملبسه وتأنُّقه، بلا صوت، ولا صدًى، يتخفّى داخل فكرة مفادها: "فليعلم اللّه، ولا لزومَ لعلم مَن سواه"، عندما يكون قلبه مع الله عملًا بمبدأ "أن تكون بين الخلق ومع الحقّ" يكون مظهره موحياً بأنه من عوامّ النّاس.

كما أنّ أغلب أولياء الله كانوا أصحاب حِرفٍ، وحرصوا على العيش بكسب أياديهم؛ لعلمهم بأن اللُّقمة الحلال مهمّة، وأن من كان طعامه حرامًا لا تُقبل طاعاتُه، فبعضهم كان بزّازاً، وبعضهم قصّاب، أو عطّار، أو سقطيّ... السّريّ السّقطيّ كان يبيع الخردوات الصّغيرة الحقيرة، ربّما كان يبيع الأشياء العتيقة، أو التي لا قيمة لها.

لماذا اختار كلٌّ منهم حرفةً؟ لقولهم نحن أيضا علينا أن لا نكون عالةً على أحد، وأن نعيش بكدِّ أيدينا حتّى نأكل اللُّقمة الحلال، لذلك فإن من بين تعاريف التّصوّف: "أن تكون خِلًّا، لا ثقيلاً".

التّصوّف هو أن تكون صديقاً لا أن تكون ثقيلاً.

أن تكون حديقة من الأزهار، لا أن تكون حارًّا (كولي كولزار اولوب حار أولممق)([30]).

التصوّف أن تكون صديقاً وخليلاً، وأن تُحسن مُعايشة النّاس([31]).

يعني ذلك مساعدة النّاس، وعدم الرُّكوب على ظهورهم، وامتصاص دمائهم كالعلَقة، أنْ لا يسعى الإنسان إلى الاستفادة وانتزاع المنافع منهم، أن يكون خِلًّا، لا ثقيلاً ولا عبءً، أن يكون صديقاً دون أن يكون عِبئًا على أحد، أن يكون زهرة في حديقة الأزهار، لا أن يكون شوكة يؤذي يميناً شِمالاً... هكذا عرَّفُوا التّصوُّف، هذه هي حقيقة التّصوّف وطبقته ومرتبته العُليا.

لقد تجنّبوا الرّياء، واتخذوا الإخلاص في ذلك أساساً، وابتعدوا عن التّصنُّع، وسعَوا إلى أكل اللّقمة الحلال، وربَّوا أنفسهم، وحسَّنوا أخلاقهم، فوصلوا إلى معرفة الله، كما أنفقوا أعمارهم في العبادة والطاعة، ووصلوا إلى الكرامات الإلهيّة. هذا هو التّصوّف.

متى بدأ التّصوّف؟

لقد بدأ التّصوّف منذ عهد سيدنا آدم عليه السّلام، كما أن جميع الأنبياء بيّنوا للنّاس التّصوّف، والإخلاص، والإسلام الحقيقيّ، وبالطّبع فسَّرَ نبيّنا صلى الله عليه وسلم التَّصوّف بشروطه الكاملة، وعلى أكمل وجه.

التّصوُّف هو نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، وحياته، ومعيشته، وزهده، وورعه، وتقواه، وكرمه، وحُسنُ خُلُقه... لذلك اتّخذوا نبيَّنا صلى الله عليه وسلم أسوةً حسنة، ومثالاً يقتدون به، ويسعوْن إلى مُشابهته.

فأفضل متصوّف هو الأشدُّ شبهًا به صلى الله عليه وسلم، وأقلّ النّاس شبهاً به هم أشدّهم بعداً عن سنّته، وبنفس القدر يكون بُعدُهم عن التّصوّف.

فأغلب الناس في أيامنا هذه بِبُعدهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سُنّته المُشرّفة، وانغماسهم في البِدع بعيدون عن التصوُّف أيضاً، في حين أن أكبر الأمثلة وأجملها للتّصوّف يمكن أن نراها في حياة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، كما يمكن رؤيتها بعد ذلك في حياة الصّحابة، وأصحاب الصّفّة.

فنحن نعرف أنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم كان يربط حجراً على بطنه لأيّامٍ، وأنه كانت تمُرّ الأشهر دون أن يُطبخ في بيته طعام، فيمضي عليه زمن طويل وهو صائم، وليس ذلك من قلّة مالٍ، ولكن لسخائه وكرمه، ولأنّه لا يترك المال الذي يأتيه يبيت عنده، ولأنه إذا جيء إليه بالكومة من المال غنائِمَ نثرها فوق غطاءٍ، ووزّعها كُلَّها، ولأنّهُ لا يُخبّئ عنده شيئًا، وكلّ ذلك من حُسن خُلُقه.

لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يُعتبر مثالًا من حيث الإخلاص، والامتثال الكامل لأوامر الله تعالى، وقبول الحقّ.

والصّحابة أيضاً مثالٌ، ومن بعد الصّحابة تأتي طبقة الإمام الأعظم، طبقة الذين أدركوا الصّحابة؛ أي: طبقة التابعين. وهؤلاء أيضاً كان أغلبُهم مشربُه وحياتُه التَّصوُّف، وكانوا مثالاً يقتدي به أرباب التّصوُّف.

فالصوفية الموجودون في العصر السابع والثامن ليسوا مجبرين على الاقتداء ببعضهم.

بمن يقتدي الجميع؟ يقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالسائرين في طريق القرآن الكريم والنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الحالة فاتجاه سير التّصوّف يكون من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، ولا يمكن أن ينطلق من عصرنا باتجاه الماضي، وليس من الممكن السعي إلى تشبيه أولئك بأهل عصرنا، يجب أن نفهم هذا، ثم سنفهم بعد ذلك ما هو التصوّف.

يُروى عن الإمام علي كرّم الله وجهه أنه قال: "إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".

الرجل الفلاني قال كذا، والآخر قال كذا، هذا لا يمكن، اعرف الحقّ أوّلاً، ثمّ سيُمكنُك أن توازنَ وتعرف مَن هو طالب الحقّ، ومن هو أهله؟ بشكل أفضل، ستعرف مَن الجيّد، ومن السيّئ.

وإلّا فـ"الرجل الفُلاني عمامته كبيرة، لحيته طويلة، الشّيخ له جُبّة، طويل القامة، حوله رجال كثيرون، هو قال هكذا، إذنْ الحق كذلك".

لا، أنت تعلَّمِ الحقّ لتنظر هل قوله صحيح، هل يقول الحقّ؟ ثمّ يمكن لك اتّباعه.

هذا يعني أن المُتصوّفة ليسوا أمثلة عن الصّحابة، هذا ما كنت أسعى إلى قوله، وطبقة المتصوّفة والصوفيّة والصّوفيّين مثالُها هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو مثالُنا جميعاً، ومن بعده يأتي الصّحابة الكرام؛ لأنّهم مُباركون تربَّوا في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهُم أكثر النّاس معرفة بالإسلام، لذلك يجب علينا مُطالعة حياتهم ومعرفتها.

ثم الذين يلونهم بعد ذلك، وهُم تبع التّابعين، وهذه هي طبقة الإمام الأعظم، ثمّ كان في العصور اللّاحقة لهم وفي زماننا هذا عبيد للّه أخيارٌ أيضاً، وسيكون كذلك إلى قيام السّاعة: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ".

من المُؤكّد أنه سيكون في كُلّ عصرٍ أولياءُ لله، قطعاً سيكون هناك أقوامٌ يقولون الحقّ، ويتمسّكون به ويدعمونه، جعلَنا الله منهم، ومعهم، ولا أبعَدَنا الله عنهم.

فالله دائماً ما يجعل بين الكافرين أولياء له حتّى يكونوا نماذج فيهم، وحتّى تكتمل شروط الامتحان، فإنه يجعل بين المؤمنين أيضاً منافقين، فكما أن في مقابل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان هناك أبو جهلٍ، فإنّ في كُلّ عصر من العصور يوجد الأشرار والأخيار جنباً إلى جنب، وفي الامتحان على الإنسان أن يَعِي جيِّدًا ثمّ يتبع الناس الجيّدين، كما أن عليه أن يُشخِّص السّيئ، وأن يُنجّي نفسه منه.

والآن فلنأتِ من خلال تعاريفنا هذه إلى حال الإمام الأعظم.

فإذا أمكن لنا أن ننفَذَ إلى كُنْهِه وماهيّتهِ وروحِه لننظُر فيها لوجدنا أنّه بحسب هذه التّعاريف أحدُ أكبر المتصوّفة، هو ذو جناحين في الظاهر والباطن، واحد من أطول المُباركين يدًا في علوم الظاهر والباطن.

كان له علمٌ وتقوى، كان صاحب علم، وكان عاملاً به في الوقت نفسه، يقضي يومه في العلم والتّدريس، ويقوم ليله فيُصلّي الصّبح بوضوء العشاء، ومرّت سنوات عمره على ذلك، ويُروى أنه حجّ خمساً وخمسين مرّة في عمره، لقد قضّى أوقاته على أحسن وجه.

لماذا اشتغل بالتجارة؟ ماذا لو لم يشتغل بالتجارة؟

الاشتغال بالتّجارة هو سعادة لبعض أولياء الله، وذوقٌ، واختيار؛ لأن هناك حديثا مفادُه: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ". لذلك فالتجارة مُهمّة.

وهناك حديث شريف آخر هو: "الكاسبُ حبيبُ اللهِ".

وهناك أدعية خاصّة بمن يأتون بالسّلع التي يحتاجها أهل بلدةٍ ما من مكان آخر ليعرضوه في سوق تلك البلدة.

هؤلاء العِظامُ اختاروا التجارةَ بشكل خاصٍّ؛ لأنهم وجدوا بأنّها طريقٌ للوصول إلى محبّة الله، والاستظلال بظلِّ عرشه الأعلى في نفس الوقت، لم يختاروها محبّةً في الدُّنيا، بل اختاروها لما اختُصّت به.

وكذلك عندما طالعنا حياة عبد الله بن المبارك الذي قابل الإمام الأعظم، ويُعدُّ من بين طلبته، وجدنا أن هذا المُبارك كان يُمضي وقته على ثلاثة مراحل؛ حيث كان يحُجُّ في عامٍ ينطلق من خُراسان فيذهب إلى الحجّ ويعود، يمشي مرحلة مرحلة ويرتاح فيما بينها ، فيذهب ثُمّ يعود، فيُمضي عاما للحجّ، ثمّ يرجع فيخرج للجهاد في السّنة التي تليها، يُجاهد في الأناضول وطرسوس وغيرها، فقد كان من المُباركين الذين سَعوْا إلى فتح هذه الأراضي، ثمّ يُتاجر في السّنة الثالثة.

الحجّ ثواب، والجهاد ثواب، والتجارة ثواب، لذلك فهم يقومون بالتجارة، ولكن مع قيامهم بجميع هذه الأعمال، وحتى إذا ما ذهبوا للجهاد وللحجّ كانوا دائماً مشغولين بالعلم والعرفان ونشر العلوم؛ يعني: أنّهم لم يكونوا يسمحون بمرور الوقت فارغاً.

سأذكر لكم بعض مناقبه:

التقى جيش المُسلمين بجيشٍ لغير المسلمين ذات وقعةٍ، وبرز رجل مُدرّعٌ شجاعٌ من غير المسلمين طالبًا لمُقاتلٍ، وهو يقول: "هل فيكم مَن يُنازلني، هل فيكم مُقاتلٌ يخرج لي ويواجهني؟"، فخرج من جيش المسلمين بعض المقاتلين، هُزِموا جميعاً، وفي النهاية خرج من المسلمين رجل ملثَّم لمواجهة ذلك الصّعلوك الضّخم، فتبارزا، اتّضح للجميع أنه مُقاتل بارع، ولكنهم لم يعرفوا من يكون؛ لأنه كان مُلثَّم الوجه، إلى أن قتل الكافر.

ثم خرج له ضخمٌ آخر فنازله حتّى قتله أيضاً، عندها انتصب الجيش واقفاً، وتحمَّس الفريقان وهم يُتابعون، اصطفَّ العساكر لمتابعة جهاد المبارزين، شخص آخر يأتي فيقتُلُه أيضاً، وآخر أيضاً، لم يعد أحد يرغب في الخروج لمُواجهة هذا المُسلّح البارع الذي يصرعُ كُلّ من يأتيه.

فتجمّع الجميع حوله يسألونه: "مَن أنت أيها المُبارك؟"، لا جواب، بعضُهم لم يُطِق صبرًا فمدّ يده وانتزع اللّثام، فإذا هو بعبد الله بن المبارك أمامه.

عبد الله بن المبارك من كبار عُلماء الحديث، إنه من أحباب الإمام الأعظم وتلاميذه، من الصّوفيّة المُتصوّفة، ومن طائفتهم، وقد كان في ذات الوقت منشغلاً بالتجارة، لقد كان اشتغالهم بالتجارة لهذه الأسباب.

أريد أن أتعرّض لبعض الأمور التي رأيتها حول علاقة حياة الإمام الأعظم وأخلاقه بالتّصوّف.

كان الإمام الأعظم إنساناً شُجاعاً، لم يفتُر أبداً عن قول الحقّ، ولم يتردَّد، وكان يُبدي احتراماً كبيراً لأهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن أهل البيت كانوا يتعرّضون لمظالم كبيرة في ذلك العصر حيث هاجم الأمويون مكّة، وضربوا الكعبة بالمنجنيق بعد استشهاد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعبد الله بن الزّبير هو ابن أخت أُمِّنا عائشةَ رضي الله عنها، والده صحابيّ وهو نفسه صحابيّ، لقد قتلوه، وقتلوا سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما سبطَا نبيّنا صلى الله عليه وسلّم، وأولاده المُباركين، فاستشهدوا جميعاً، لقد قتلوهم جميعاً بذُرّيتهم وأولادهم ونسائهم وأطفالهم الذين في المهد فاستشهدوا، بسبب حرص القتلة على الحكم، ولأن النّاس مالوا إليهم؛ لكونِهم أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم وأولاده، ولخوفهم على ضياع السّلطان من بين أيديهم، كانت تلك فاجعة كربلاء، رُميت مكّة بالحجارة، وقُصِفت الكعبة المشرّفة بالمنجنيق، والأمويون هم من فعل ذلك، وقد وجدوا جزاء أعمالهم بعد ذلك حين قام العبّاسيون بنفس الظلم في حقّهم بعد أن وصلوا إلى الحُكم بالتّغلّب؛ لمجازاتهم على ظلمهم، ومحاسبتهم على صنيعهم. ولم يترك العباسيّون الحُكم أيضاً، بل ارتكبوا نفس المظالم، وتمسّكوا عنوةً بالسُّلطة.

لقد كان الإمام الأعظم دائم الاحترام لسلالة نبيّنا صلى الله عليه وسلم الطاهرة.

وكان محمّد الباقر إذا سُئل عن مسألة يقول قبل الجواب: "تفضّلوا اجلسوا، ولأجلس أنا أيضاً معكم، فاحترامي لكم مثل احترام الصحابة الكرام للنبيّ صلى الله عليه وسلم"، ثم يقول: "اجلسوا حتى أشرح لكم، فالكلام الذي سمعتموه عنّي غير صحيح".

عاش الإمام الأعظم اثنان وخمسون سنة في عصر الأمويّين، وثمانية عشر سنة في عصر العبّاسيّين، وكان أهل الله، وأهل بيت رسول الله تحت طائلة التضييق من قِبل الظالمين والوُلاة، وأصحاب السُّلطة كانوا يعرفون ارتباطه بأهل البيت، فجُلِد ذات مرّة، وضُيِّق عليه، فاضطُرّ إلى الذهاب إلى الحجاز، ثم جُلِد في زمن العبّاسيّين، وأُسْقِي السّمّ حتى استُشهد، وكانت تلك وفاته.

كان يُقالُ له: "سنجعلك قاضياً للقُضاة، رئيساً لمحكمة التمييز، سنمنحُك أعلى المراتب"، لكنّه لم يكن يقبل. لماذا لم يقبل؟

لأنّه لم يكن مُقتنعًا بمشروعيّتهم؛ لأنّهم ظنّوا أن شُهرتهُ ستكون عونًا لهم، ولأنّه عرف بأنّ الوظيفة ستكون وبالًا عليه، فلم يقبل مع علمه بالتّضييق والتّعذيب، هذا يُظهر بطولته، لم يؤجِّر ضميره لأيّ أحد، ولم يجعله أسيراً عند أيٍّ أحد، فالإمام الأعظم مثالٌ بالنّسبة لنا، فهو لم يُطأطِئ رأسه أمام أيّ أحد، ولم يُعِر أي اهتمام لمضايقات الولاة؛ لأنّه كان مرتبطاً بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وسلم ارتباطاً وثيقاً.

وبالرغم من أن محبّته لأهل البيت أمطرت بالمشاكل على رأسه، وهذا ما يؤكّد عليه الحديث أصلاً، من أحبّهم لم ينجُ برأسه من المشاكل، إلّا أنه ظلَّ على ذلك الطريق إلى نهاية عمره.

وقد كانت له معرفة بالإمام جعفر الصّادق، وله ارتباط به وانتماء، حتّى إنّه يُروى([32]) عنه قوله: "لولا هاتان السّنتان الأخيرتان لهَلَك النُّعمان"؛ يعني: أنّه استفاد من مُحادثة جعفر الصّادق، وأُعجب بها كثيراً لدرجة أنّه وصف السّنتين اللّتين قضّاهما معه بهذا الوصف كما ورد في بعض الكُتُب.

كان يبحث عن الحقّ في كلّ شيء، وعند بلوغه كان يلزمه، وذات مرّة سُئل عن مسألة، فأجاب فيها، وكان أمامه رجل اعترض عليه قائلاً: "لا، في زمن الصّحابة حكم عُمر في هذه المسألة بهذا الحُكم"، ونقل له قوله، وبعد مرور مُدّة من الزّمن سأل الرّجل قاصداً عن نفس المسألة ليرى إذا ما كان الإمام مُصِرّاً على موقفه السابق، أم لا؟ لكنّه أجاب بنفس الرّواية التي سبق للرّجل أن نقلها له، لقد غيّر رأيه عندما سمع قول الصّحابيّ؛ لأنه لم يتخلَّ عن اتّباع الحقّ.

لقد كان رجُلاً قنوعًا جدّاً، كان تاجراً، ولكن ممارسته للتجارة كانت مثالًا، لم تكن تجارة حِرصٍ، كانت مفهومًا للتجارة فيه تَحرٍّ شديد لمُجانبة الحرام.

جاءته امرأة ذات مرّة لتبيع ثوباً من حرير، فقالت: "لي حاجة، وأريد بيع هذا الثوب بمئة درهم"، فنظر إليها الإمام وإلى الثوب، وقال: "هذا الثوب سعره أكثر من مئة درهم، هو أثمن من ذلك"، هو سيشتري، ولكنّه يعرض سعراً آخر، قال لها: "لا، هو أثمن من ذلك"، فقالت المرآة: "إذا بمئتين"، قال: "هو أثمن من ذلك"، قالت: "بثلاث مئة"، قال: "هو أثمن من ذلك"، قالت: "إذا بأربع مئة درهم"، قال: "هو أثمن من ذلك"، فقالت: "هل تسخر مني؟"، كانت ترضيها مئة درهم، وهو يصل معها إلى الأربع مئة، قال: "لا أنا لا أسخر منك، فلنطلب خبيراً، لنُناد شخصاً خبيراً بهذا الأمر"، فنادوا خبيراً وعرضوا عليه الثوب، وسأله: "كم ثمن هذا؟"، فقلّبه الرجل يميناً وشمالاً، وتمعّن فيه، ثم قال: "ثمنه يساوي خمس مئة درهم"، فأعطى الإمام الأعظم خمس مئة درهم للمرأة، وأخذ منها الثوب.

وفي مرّة أخرى اشترى ثوبين بأحد وعشرين درهماً، أو نحوها من نقود ذلك الزمان.. ثم باع أحدهما بعشرين، وجاءه صديقٌ له، فأعجبه الثوب، وأراد شراءه، فقال له الإمام: "هو بدرهم"، قال: "أتسخر مني؟ أي ثوب هذا الذي بدرهم؟"، فقال: "اشتريت اثنين بأحد وعشرين درهماً، فبِعتُ أحدهما بعشرين، وبما أنك صديق فلن آخذ منك ربحاً، بقي درهم من الثمن، خُذه بِه". هكذا كانت قناعته.

كان حريصاً جدّاً على الأمانة.

كان كريمًا جدّاً، كان في كُلّ يوم جمعة يوزع الكثير من العطايا عن روح والديه، وكان يُكثر من العطايا للفقهاء والعلماء أيضاً.

ويُروى أنه إذا اشتبه في أي صفقة قام بها تصَدَّق بمال تلك الصفقة كُلِّه.

ذات مرّة كان عليهم بيع 10 أو 20 أو 50 ثوبًا صوفيّاً بالجُملة، وكان في أحد الثياب عيبٌ. فقال لِخادِمه: "هذا الثوب فيه عيب، أخبر به مَن سيشتري، وبِعهُ بثمن أقلّ". ثم سأله بعد ذلك عنه، فقال الخادم: "لقد نسيت أمره، وبعته مع البقيّة"، فما كان من الإمام إلا أن تصدّق بجميع عائدات تلك الصّفقة.

وسمع مرّة أنّ بعض الأغنام غصبت في أحد البقاع، وأنها أُحضِرت وبيعَت في بغداد، فقال لمن حوله: "كم تعيش الشاة في العادة"، قالوا: "ستّ، أو سبع سنوات"، رُبّما بيعَ لحمُها ووصل إليه، فلم يأكل لحم الغنم لسبع سنوات. هكذا كان صاحب تقوى وورع.

أمضى حياةً شديدة التّديّن، وأتم حفظ القرآن صغيراً، وعندما يُسألُ عن مسألة كان يُقلّب القرآن في ذهنه، ويبحث عن الحُكم فيه.

كان يختم القرآن مرّة في اليوم، ويقضي النهار في الصّوم والليل في الصلاة.

يُروَى أنه ختم القرآن ستّين مرّة ذات رمضان.

كان شديد الاحترام للعلم وللعلماء: كان يجمع طلبته ويعرض عليهم المسألة ويسمع من الجميع أفكارهم وآراءهم ويتدخّل في المواضِع الضّروريّة، وبهذه الطريقة وُضِعت عشرات الآلاف من المسائل الفقهية دون الارتباط بشخص واحد، عن طريق المُذاكرة بشكل أكاديمي، ودوّن تلاميذه كلّ تلك المسائل، فصارت مصادر للفقه الحنفيّ.

كان رجُلاً شديد الذّكاء، وقد رُويت العديد من الروايات حول ذكائه الوقّاد، ويستمدّ علمُهُ قوّتهُ من المرويّات عن عبد الله بن مسعود، وابن عُمر، وعبد الله بن عباس خاصّة.

كما أنه عند ذهابه للحجّ وإقامته بالمدينة المنوّرة ومكّة المكرّمة كان يستفيد من علمائهما الكِبار. وكان يستشير طلبته في مجلس العلم حول كُلّ المسائل، ويحُلّها ثم يصل إلى نتيجة.

كانت أخلاقه عالية من كلّ الوجوه.

بعد كُلّ ما ذكرناه نصل إلى هذه النقطة: لم يكن علمه كلاماً فقط، بل كان من حيث الحال مُسلمًا تامّاً، لم يقف عند حدّ المقال بل كان صاحب حال.

كان مُلمًّا بأحكام الظاهر والباطن مُراعِيًا لشروطهما، ويحرص على الإخلاص الذي هو محور الدّين، ويشهد له أئمة المذاهب بأنه صاحب تقوى وصاحب ورع، والورع مرتبة من مراتب التقوى العُليا، حيث يقول أحمد بن حنبل: إنه لم يكن له مثيل في التّديّن والورع. والآخرون أيضاً يقولون نفس الشيء.

كما يُنقلُ عنه كرمه وجمال أخلاقه، ويتردّد على الألسن تواضعه، وتسليمه للحقّ.

نعلمُ أنه ذات مرّة ذهب لأخذ دَينٍ كان له عند رجُلٍ، وعندما كان عند الباب لم يقف في الظلّ بل تحت الشّمس، يقولون: "لماذا؟"؛ لأن لديه ديناً عند الرّجل، وهو يخاف أن تكون استفادته من الظلّ نوعاً من الربا، يقولون: إنه فعل ذلك حتى لا يستفيد بأي شكل من الأشكال من مَدِينِه.

في طريقتنا النّقشبنديّة يُعتبر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق حلقةً في سلسلتنا، يأتي بعده في السلسلة الإمام جعفر الصّادق، ثُمّ أبو الحسن الخرقاني، فالبسطامي، وهكذا...

قاسم بن محمد بن أبي بكر الذي يرد اسمه في السلسلة هو حفيد لسيّدنا أبي بكر الصدّيق المشهور الذي لا مثيل له، ولا نِدّ في العلم والورع، لقد التقى به الإمام الأعظم، كما التقى مع محمد الباقر، وجعفر الصادق، وجعفر الصادق أيضاً في سلسلتنا.

حسب ما ورد في المنقبة: كان ذات مرة جالساً مع تلاميذه، فمرَّ بجانبه إبراهيم بن أدهم، فقال له: "تفضّل يا سيّدي"، العرب لا يستخدمون كلمة "سيّد" بهذه السّهولة للجميع، في الأصل يقولون: "سيد" لذوي الشّرف والأصل، قال له كلاماً من قبيل: "يا سيدي، يا تاج رأسي، تفضل"، فسلَّم عليه إبراهيم بن أدهم، وشكره، ثُمّ واصل طريقه بلا توقّف.

وعندما ذهب سألوه: "لماذا تقول سيّدي لهذا الشّخص الوضيع؟" فردّ عليهم بجواب دوّنتهُ الكُتب المشهورة، وقال مادحاً إبراهيم بن أدهم: "نحن مشغولون بآيات الله تعالى، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم الشريفة، أما هو فمشغول بمعرفة الله طمعاً في مرضاته سبحانه".

إن إبراهيم بن أدهم واحد من الكبار الذين دخلوا طريق التقوى هذه بإشارات معنويّة بعد أن تركوا التاج والعرش، كان يشتغل في النهار بكدّ يمينه، وفي المساء يجلب ما كسبه طول يومه ليتصدّق به على رفاقه المُقيمين في المدرسة، أو في الخان. له كثير من المناقب، أنالهُ الله شفاعته.

يمكن أن نقول على سبيل الخلاصة: إن العلوم الإسلامية ظلّت تنضج بمرور العصور، ولكلّ علم مراحل تطوّره الخاصّة، فمثلًا علمُ الحديث سُمِع في البداية من النبي صلى الله عليه وسلم، ثمّ دُوِّن بعد ذلك، وهناك روايات تقول بأن بعض الصحابة كانوا يكتبون الحديث، ثمّ أُخذ الحديث بعد ذلك من هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فظهرت مؤلّفات حسب الرُّواة المنقول عنهم، وظهرت المسانيد، ثُمّ رُتّبت تلك الأحاديث على الأبواب الفقهيّة، كلّ موضوع دُوّنت أحاديثه في موضع واحد دون اعتبار للرُّواة، وهكذا ظهرت كُتب الأحاديث المشهورة، ظهرت كُتب الإمام مالك، والإمام البخاري...

هذه التّطورات موجودة في علم الحديث، والتفسير، والفقه، وغيرها من العلوم أيضاً، وكلُّ هذه العلوم موجودةٌ في الأصل عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فهو بكلِّ حالٍ من أحواله أكبر مفسّر، وأكبر مُحدّث، وأكبر فقيه، وأكبر عابد، وأكبر صوفيّ... في كل علم من العلوم التي يمكن أن نذكرها نجده أكبر عالم بها.

مع مرور الزمن بدأت هذه العلوم تنقسم إلى فروع واختصاصات، وتفرّعت كما تخرج الشجرة من جذر عميق، ثمّ تتفرّع منها أغصان مختلفة، وبسبب صعوبة الإحاطة بجميع العلوم صار كلُّ انسان يختصّ بفرع من الفروع العلميّة، ويشتغل به.

فاليوم مثلاً، نذهب إلى طبيبٍ وندُقُّ بابه، ونقول: "عندي مغص شديد في معدتي، أرجو أن تُعاينني، وتعطيني دواء، أو تجد لي حلًّا"، لكنه قد يقول: "أرجو المعذرة، أنا لا أعرف مع الأسف؛ لأنني طبيب قلب"، لا علم له بالمعدة مثلاً، أو تقول: "لديّ حساسيّة هنا"، فيقول لك: "أنا لست طبيب جلديّة".

طبعاً نحن جميعاً نتعرض لذلك، ويُعجبنا أكثر أن يكون لكلّ علمٍ مُختصٌّ.

النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده جميع العلوم، والصّحابة الكرام أخذوا علومهم عنه، بعد زمن الصحابة الكرام بدأ العلم في التفرّع في عصر التابعين، والإمام الأعظم كان أكثر اعتنائه بعلم الكلام من بين العلوم، فتعلّمَهُ جيداً وألّف فيه، كما أن أغلب محتويات مؤلّفاته في الفقه وغيره كانت متعلّقة بمواضيع علم الكلام، حيث درس الأدلة الشرعيّة في موضوع معرفة الله، وذكر نتائج ذلك في تلك المؤلّفات.

في المُحصّلة كانت تلك النتائج محصولًا لثقافة وعمل وعلم، وجهد طويل، لقد كان له إلمام عميق بالكلام يعني بمعرفة الله، وبالعقائد.

ثم إنّه أحبّ الفقه كثيراً؛ لِعلمه بأنّه أنفعُ علمٍ وألزمُهُ، فصبَّ اهتمامه كلَّه في ذلك العلم، ووصل إلى مرتبة عالية جدّاً في ظاهر الفقه وباطنه أيضاً بشرحه لجميع أسباب قبول الأعمال؛ يعني هذا أنه كان مُطّلعاً على فقه الظاهر، وفقه الباطن، يجمع بين العلم والتصوف.

وتصوَّف على يد علماء كبار مُنتمين إلى سلسلتنا، وأخذ الفيض عنهم، واستفاد منهم، كما أعطى الفيض لكثير من الأسماء الكبيرة في سلسلتنا، فانتسبوا إليه، وهناك من أرباب التصوّف أيضاً من انتسب إليه.

إذنْ فنحن نرى أنه اشتغل بجميع المعارف؛ لأنه رجلٌ عاش في زمن تشعُّب العلوم، وفي نفس السياق، نرى أنه من خلال علم التصوّف استوعب بعمقٍ مواضيع التّصوُّف بجميع معانيها، ووصل بأخلاقه إلى أعلى مرتبة، وربّى نفسه أحسن تربية، ووصل في معرفة الله إلى أعلى مرتبة.

وله أيضاً كرامات:

كان هناك امرأة يتردّد ابنها على مجلس الإمام الأعظم طالباً للعلم، لا يتعلّم صنعةً، ولا يكسب مالًا، فجاءت المرأة إلى الإمام، وقالت: "اترك ولدي فأنا أرملة وليس في البيت ما نعيش به، فاتركه يتعلم صنعةً فيتكسّب له شيئاً ننتفع به"، فقال لها الإمام: "اذهبي، ولا تأخذي الصّبيّ، وأنا أكفيك حاجتك، فالصبي هنا يتعلم كيف يأكل الفالوذج بدهن الفستق".

ثمّ مرّت سنوات، وذات مرّة كان هذا الصّبيّ الذي هو الإمام أبو يوسف عند هارون الرّشيد في مجلسه، فأمر الخليفة بالضيافة فجاؤوا بها: فالوذج بدهن الفستق... قال هارون الرشيد: "تفضّل كُل يا شيخي بالعافية، فهذا الطعام حتى أنا لا أراه دائماً". فضحك الإمام، فسأله: "ما الذي يضحكك يا إمام؟"، قال: "أضحكُ لأن شيخي أبا حنيفة أخبر أمّي أني آكل هذا الطعام منذ كُنت تلميذاً عنده".

وهذا يُبيّن أن الإمام الأعظم رأى ما الذي سيكون عليه الصّبيّ في المستقبل عن طريق الكشف.

وفي مرّة أخرى كان ينظر إلى شخص أثناء وضوئه، فلم يخبره بأن في وُضوئه نقصاً، لكنه قال له: "ارعَ حقوقَ والدَيكَ يا بنيّ، واكسب قلبيهما"، فإذا بالولد عاقٌّ لوالديه بالفعل، وهكذا كان صاحب كرامات وكشف.

يُقال: إنه رأى الله تعالى في منامه مرات كثيرة، فتساءل البعض: هل رآه فعلاً يا ترى؟

لا أريد الخوض في تفاصيل هذا الأمر، وكأنني صاحب باعٍ فيه، ولكنني أريد أن أنطلق ممّن كانت رواياتهم موثوقة، ومن جنس الأدلّة التي لا يعترض عليها أحد، لقد رأى شيخنا الإمام الأعظم الرسول صلى الله عليه وسلم مرّاتٍ كثيرة في منامه، كما أنه رأى الله تعالى مرّات عديدة في منامه، وتشرّف بذلك الشّرف، ونال تلك الالتفاتات العظيمة.

أسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بشفاعته، وأن يديم علينا التزام طريقه، وأن يكرمنا بمعرفة قدره وقيمته، وأن يُنزلنا معه في الفردوس الأعلى، وأن يعطينا في الدنيا والآخرة من الخير ما علمنا منه وما لم نعلم، وأن يحفظنا من كلّ شرّ في الدنيا والآخرة، وأن يُفقّهنا في الدّين، وأن يُرينا الحق حقاً ويلهمنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويقوّينا على اجتنابه، وأن يمُنّ علينا بالثبات أمام المحن، وعدم الرجوع عن طريق الحق أمام كيد الكافرين والمنافقين، وأن يجعلنا أوفياء لطريقه، وأن يرزقنا العيش معيشة أحبابه ومن رضي عنهم، وأن نُحشر في أحبابه ومن رضي عنهم من عباده.

جعلنا الله من عبيده المحبوبين، ومن أهل القرآن الكريم، ومن أهل سنّة سيد المرسلين، ومنّ علينا بشفاعة نبيّه الكريم، ووفّقنا لخدمة أمّة سيد المرسلين على الوجه الذي يُرضيه منّا، وحشرنا في زمرة السّعداء في الآخرة بشفاعة النبيّ الكريم والقرآن العظيم.

ولا جعلنا ممَّن يحل عليهم قهره وغضبه وعذابه وعقابه، ولا جعلنا من السّاقطين في جهنّم المحترقين بنارها، وجعلنا من المارّين على السّراط كالبرق، وأجارنا من أهوال ذلك اليوم، وجعلنا ممّن يُظلُّهم بظلّ عرشه الأعلى.

ومنّ علينا بنعمة تعلّم أحكام القرآن الكريم، والعيش بما جاء فيه من الذّكر الحكيم، وجعل القرآن العظيم في حياتنا دليلًا، وفي قبورنا خليلًا، ويوم القيامة شفيعًا، وعلى الصّراط نورًا، ولدخول الجنّة سبيلًا.

وأحسن الله إلينا في الدّنيا وفي الآخرة بأنواع الخيرات ما علمنا منها وما لم نعلم، وأجارنا الله في الدّنيا وفي الآخرة من جميع الشّرور والآفات ما علمنا منها وما لم نعلم، ورحم الله جميع موتانا ونوّر عليهم قبورهم، ورفع مقامهم إلى أعلى الدرجات، وتقبّل الله بلطفه وكرمه دعاءنا كما يتقبل دعاء أحبِّ أحبّائه في أحب أوقاته، وفي أكثر الأماكن بركة.


*(شخصيات تاريخية وصوفية ـ Tarihî ve Tasavvufî Şahsiyetler)، İstanbul، Server İletişim، الطبعة: 4،2015 م (ص: 81 - 112).

([1]) رواه الإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (6: 91، 163، 216) (24645، 25341، 25341)، والبخاري في "الأدب المفرد" (ص: 115) (308)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1: 30) (72)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (2: 154) (1428).

([2]) "ديوان أشرف أوغلو الرومي" (ص: 374).

([3]) "طبقات الصوفية" للسلمي (ص: 51).

([4]) آل عمران: 152.

([5]) البقرة: 200 - 201.

([6]) الكهف: 28.

([7]) يوسف: 53.

([8]) الشمس: 9.

([9]) الشعر لشمس الدين السِّيوَاسِي. انظر: (Sivas Şehri ـ مدينة سيواس) (ص: 132).

([10]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن (3334)، وابن ماجه، كتاب الزهد (4244).

([11]) الأعراف: 179.

([12]) رواه الترمذي، كتاب البر (2004)، والإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (2: 442) (9694) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([13]) رواه أبو داود، كتاب الأدب (4903) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([14]) رواه مسلم في كتاب البرّ (ص: 33 - 34)، والإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (2: 284، 539) (7814، 10973) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([15]) رواه البخاري في كتاب النّكاح (ص: 16)، ومسلم في كتاب الرضاع (ص: 53) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([16]) زوّجها عمر رضي الله عنه من ابنه عاصم، فأنجب منها بنتاً اسمها أمّ عاصم، تزوّجت من عبد العزيز بن مروان، وأنجبت منه عمر بن عبد العزيز. انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (70: 252- 254)، و"صفة الصّفوة" لابن الجوزي (2: 203- 204) (4: 441).

([17]) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (70: 252- 254)، و"صفة الصّفوة" لابن الجوزي (2: 203- 204) (4: 441).

([18]) المائدة: 27.

([19]) رواه ابن ماجه في كتاب الصّيام (1690)، والإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (2: 373، 441) (8843، 9683)، والدارمي في كتاب الرِّقاق (2720)، والنّسائي في "السّنن الكبرى" (2: 239، 256) (3249، 3333)، وابن خزيمة (3: 242) (1997)، وأبو يعلى في "المسند" (11: 429) (6551)، وابن حبّان (8: 257) (3481)، والحاكم (1: 596) (1571)، ولفظه: "رُبَّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وَرُبَّ قَائِمٍ حظُّهُ مِن قيَامِه السَّهرُ".

([20]) المرجع السابق.

([21]) رواه البخاري في كتاب الأنبياء (ص: 9)، والتوحيد (ص: 23)، ومسلم في كتاب الزكاة (ص: 143) من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه.

([22]) ذُكر أن هذه الرواية هي قولٌ لأنس بن مالك رضي الله عنه، غير أننا لم نعثر عليها في كتب الحديث، وانظر: "روح المعاني" للآلوسي (3: 79)، و"إحياء علوم الدين" للغزالي (1: 274)، و"التذكرة في الوعظ" للقرشي (ص: 81).

([23]) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق (ص: 6)، وكتاب الأدب (ص: 41)، وكتاب التوحيد (ص: 33)، ومسلم في كتاب البر (ص: 157)، والإمام أحمد بن حنبل في "المسند" (2: 267، 341، 413) (7614، 8481، 9341) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([24]) الأنبياء: 57. حول الآيات المتعلّقة بسيّدنا إبراهيم عليه السلام انظر: البقرة: 124- 136، والأنعام: 74 - 83، والأنبياء: 51 - 69، والصافات: 83 - 109.

([25]) رواه البخاري في كتاب الرقاق (ص: 38)، وابن حبّان (2: 58) (347) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([26]) "طبقات الصوفيّة" للسُّلَمي (ص: 49 - 50).

([27]) آل عمران: 37.

([28]) صاحب هذه المقولة هو محمد بن عليان النسوي، انظر: "طبقات الصوفيّة" للسّلمي (ص: 418).

([29]) النور: 37.

([30]) للاطلاع على النّص كاملاً مع شرحه انظر: "Eraydın،Tasavvuf ve Tarîkatler " (ص: 568- 573).

([31]) الحديث طويل في الأصل، ولكن التسجيل بلغ هذا الحدّ فقط.

([32]) لم أتمكّن من تحقيق الأمر، عندما يكون الإنسان أستاذاً جامعياً يجب عليه أن يبحث في المسائل من أصولها، ويُحقّق مصادرها ويدرسها، ولكنَّ ذلك لا يُتاح دائماً بسبب ضيق الوقت.

مقالة “الإمام الأعظم والتصوف” Prof. Dr. M. Es'ad Coşan