المحبة والأخوة*

علينا أن نُجهّز لتعبِئة محبّةٍ كبيرة. علينا أن نتعلّم المحبّة وأن نعلّمها لأولادنا. علينا أن نربي أولادنا بالمحبّة؛ علينا أن ننشأهم كأشخاص عارفين بالمحبّة فاهمين ومدركين لها. عليهم أن يفهموا المحبّة. علينا أن نعمل بصورة تستدعي المحبّة. يجب أن يكون جلوسنا وقيامنا وكلامنا وصمتنا وعملنا بأسلوبٍ يستدعي المحبّة. علينا أن نكون وأن نتحرّك بصورة تستدعي المحبّة. علينا أن نتعلم الكلام بأسلوب يستدعي المحبّة.

القراءة بلغة أخرى

البروفيسورالدكتور محمود أسعد جوشان (رحمه الله)

إن من المعلوم في المعايير العالميّةِ مقدارُ فائدة المحبة بالنسبة للإنسان على المستويين البدني والروحي. فالرُّضّع الذين يتغذون بالمحبّة ينمون نُمُوّا أكبر من الرُّضّع الذين ينشؤون محرومين منها. وقد قاموا بتقسيم عدد محدّد من الرُّضّع المولودين في يوم واحد وفي نفس المشفى إلى مجموعتين. ثمّ قاموا على امتداد بضعة أسابيع بتغذية أفراد إحدى المجموعتين بمحبّة ومداعبة وملاطفة، في حين اكتفوا بمنح أفراد المجموعة الأخرى نفس القدر من الغذاء فقط. الأطفال مازالوا صغارا، حديثوا ولادةٍ، ولدوا في يوم واحدٍ، وأوزانهم متماثلة لكنّ الأطفال الذين غُذّوا بمحبّة نموا بسرعةٍ أكبر، أظهروا نُمُوّا أسرع من الأطفال الذين مُنحوا الغذاء فقط. هذا الأمر يُظهر أن للمحبّة قوّة مادّية أيضا. يُظهرُ أنّ لها قوّة صحّيّة؛ قوّة روحيّة وبدنيّة.

إنّه أمرٌ أُثبتت أهمّيته البالغة من الناحيتين العائلية والاجتماعية أيضا. هذا أمرٌ يعرفه المهتمون بالعلوم. وجميع المُجرمين هم أُناسٌ لم يعرفوا المحبّة في عائلاتهم ونُبذوا من مجتمعهم ونشؤوا في بيئة بلا محبّة. وجميع الناجحين هم أُناسٌ نشؤوا مع المحبّة ووجدوا في محيطهم مُحبّين وداعمين لهم.

وعليه فإنّ المحبّة موضوع يجب تناوله من الجانب الماديّ أيضا. كما أنّه موضوع مهمّ أيضا من الناحية الديّنية. لأنّه أمرٌ فيه ثوابٌ كبير. فثوابُ المحبّة وأجرُها بالغٌ جدّا. وفائدتُها في الآخرة تكون كبيرة جدّا. لذلك فإن من المهمّ –بوصفنا مسلمين- معرفة أفكارنا حول هذا الموضوع ومذاكرتها والتعريف بها.

المحبّة هي ميلُ القلب إلى شيء تذوّقَهُ وشعُر بلذّته وأُعجِبَ به. هناك ميلٌ وتحرّكٌ، لكن ذلك ناتجٌ عن الإعجاب والمحبّة، ناتجٌ عن التذوّق واللذّة. وفي العربيّة يُعبّرُ عن "المحبّة" بكلمة المودّة والمحبّة.

يُقالُ للإنسان الذي يُحِبُّ "مُحِبٌّ" ويُقالُ للذّي يُحَبُّ "محبوبٌ". يُقالُ حبيبٌ ويُقالُ مودود. ومن بين أسماء الله تعالى الحُسنى "الودود". إنّه شعورٌ يُعبّرُ عنه بهذه الكلمات. فإذا كان هذا الشعور شديدا وقويّا سُمِّيَ بالعشق.

يُقالُ لمن يُحبُّ حُبّا شديدا؛ "عاشق". ويُقال للمحبوب؛ "معشوق". في آدابنا لدينا [ما يُسمّى] بأدب العاشق؛ هو أدبٌ أنشأهُ أناسٌ يحملون العود (آلة موسيقية وترية) في أيديهم ويجوبون الديار وهم يترنّمون بمحبّتهم من خلال العود. والأدب الشعريّ لا يقلّ عنه أيضا فهو مليء جدّا بأشعار العشق والمحبّة.

في العربية يأتي النّفور (الكُرهُ) في مقابل شعور العشق وشعور المحبّة. حيث يقولون لغير المحبوب منفورٌ "مكروه". وإذا كان هذا الشعور أشدّ يسمونه بغضا. ويُقال لغير المحبوب مبغوضًا كمُقابلٍ للمحبوب. ويُقال للغاضب مُبغِضًا كمُقابلٍ للمُحبّ. وإذا كان هذا الغضب أشدَّ يُسمّى مقتًا. يعني "غضب شديد، كُره شديد". كما أنّ الغليان الداخلي الناتج عن هذا الكُره-الغليان الداخلي الذي يشعر به الشخص تجاه الإنسان الذي يكرهه- يُسمى غيظا. ويسمُّون كتم هذا الغيظ وإمساك الإنسان لنفسه بكظم الغيظ، والإنسان الكاتم لهذا الغيظ بكاظم الغيظ. فقُدرة الإنسان على إمساك غضبه وكبح مشاعره أمرٌ جميل.

وفي النهاية هناك كلمة عداوة التي تعني المعاداة ككلمةٍ مقابلةٍ للمحبّة. ويقولون للمُعادي عدوّا وجمعها أعداء. بهذه الكلمات يرِدُ هذا الموضوع في القرآن الكريم والحديث الشريف والآداب الإسلامية.

عند تحليلنا لماهية ميل القلب وبحثنا لفلسفة المحبّة من خلال السّؤال عن منشأِ توجّه قلب الإنسان إلى شيءٍ ما وإعجابه به والتلذّد به نجِدُ أنّ للمحبّة مصدرين اثنين:

1- الإنسان يحبُّ الشيء الكامل التامّ الذي لا نقصان فيه.

عندما ينظر إلى شيء فلا يرى فيه نقصًا ويراهُ كاملاً يُحبُّه لأنّه "بالضبط كما أرادهُ؛ لا نقص فيه ولا قصور"، يُحبُّ تمامهُ. يسمّى هذا في العربية كمالًا. فالإنسان يحبُّ الكمال والنُّضج والتّمام.

2- كما أنّهُ يُحِبُّ الجمال أيضا. والجمالُ يعني (الحُسن).

فالشيء الذي نسمّيه بالمحبّة يحصُلُ بحُبِّ الجمال والكمال والميل إليهما. وبعض الأشياء تُحَبُّ لأنّها كاملة أو جميلة، ولا سبب آخر لذلك. مثل؛ "أحبّ هذا اللون، أحبّ هذه الزهرة، أحبّ هذا المشهد" مثلا.

المحبوبون الذين يُحَبّون بهذا الشكل، أي المحبوبون الذين يُحَبّون لذاتهم من دون البحث عن سببٍ؛ يُسمّونَ "محبوبا لعينه".

كما أن بعض الأشياء تُكسِبُ الإنسان بعض الأشياء. فمثلا، الإنسانُ يحبّ نفسه. الإنسان لديه غريزة حبّ نفسه وحمايتها ومواصلة حياته والدفاع عن نفسه. هو يحب ذاته ويسعى لحمايتها. و[هو كذلك] باعتبار خلقته، فقد أودع الله هذا الإحساس في داخله. الإنسان يحب الشيء الذي يفيده وفيه منفعته. كما أنها (المحبة) تنشأ من المنفعة. فالإنسان قد يحب شيئا لأنه ينتفع منه. فهو مثلا يحب أشياء مثل الغذاء والهواء والماء. يحب الأملاك ويحب المال. في حين أن الأطباء يقولون: "هناك الكثير من الميكروبات فوق النقود، لو رأيتها لما رغبت في إمساك تلك النقود بيديك". ولكنه [مع ذلك] يحب المال. لأنه سيكون سببا في حصوله على بعض الأشياء وفي حيازته لأشياء أخرى يحبّها.

هذه المحبة الناشئة عن منفعةٍ سببُ فائدتِها شيءٌ آخر يقولون عنها "محبوبٌ لغيره". أي، حتى إذا كان الشيء غير محبوب في ذاته فهو يُحَبُّ لسببٍ آخر. لأنّ به تُحازُ أشياء أخرى محبوبة.

الإنسان عبد الإحسان.

هو يحبّ المُحسِن. فإذا كان هناك إنسانٌ لا يحبُّكَ؛ بينكُما برودة، جليدٌ وجبالُ ثلجٍ.

ما العمل؟

تقديم هديّةٍ.

يقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابّوا".

للمحبّة مواضع كثيرة في بنية الإسلام. وهناك محبة مقبولة وأخرى غير مقبولة. فلنبدأ بترتيبها انطلاقا من أول محبّة عرفناها:

نحن نتعلّم المحبة أولا من أُمِّنا؛ نتذوقها من صدر أمّنا الدافئ الناعم، فنحبُّ أمّنا أوّلا. إنّ حبّ الأمّ والأب حبّ مقبول جدّا. هو حبٌّ يوصي به الله ويحضّ عليه ويُثِيبُ عليه ويرضى به.

ومن المحبّة المقبولة أيضا، محبّة الزوج. محبّة الرجل لامرأته ومحبّة المرأة لزوجها محبّة مقبولة. ربّما سيتفاجأ بعض المستمعين في القاعة ولكنها محبّة مقبولة جدّا وفيها أجر. هي محبّة حضّ الله عليها وأوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوالد الذي يعمل من أجل زوجته وأطفاله هو مثل المجاهد في سبيل الله، ومثل الحاجّ والمُعتمر والغازي. هكذا يرد في الحديث الشريف.

من المُهمّات التي يجب أن أذكِّر بها من بين المحبّات المقبولة الرابحة ذات الثواب أيضا: محبّةُ الصديق في الإسلام. محبّة أحدهم ومصادقته في سبيل الدين ولأجل مرضاة الله. يقولون عن هذا الحبّ في الله والأخوة في الله. يقولون عنه "الأخوة والصداقة من أجل مرضاة الله، الحبّ من أجل مرضاة الله". هذا من أكثر العبادات ثوابا. أنْ تُحبَّ فقط؛ لا تُنفق شيئا ولا تقضي وقتا ولا تقومُ بعملٍ ولا تتعب؛ تكسبُ ثوابا لمجرّد كونك صديقا. إنه عمل عظيم الثواب. فلأقرأ عليكم واحدا من الأحاديث الشريفة المُبشِّرة:

من أحبّ أخا لله في الله. "من اتخذ مسلما أخًا وأحبّه للّه وفي سبيله". قال إني أحبّك لله. "وقال: أنا أحبّك لله وليس لشيء آخر؛ ليس من أجل مالٍ ومنفعة بل أحبّك لله". فقد أحبّه الله. "الله أيضا يحبّه". فدخلا جميعا الجنّة. "كلاهما يدخلان الجنة معا".

المُحبُّ والمحبوب، هذا الأخ وذلك الأخ، كلاهما يدخلان الجنّة معا.

هذا من بين أسباب وجود الطريقة والتصوّف. حيازة هذا المكسب من ذلك.

والمتحابون في سبيل الله لن يقعوا في الازدحام والاكتظاظ يوم الحشر. فأنتم تعلمون أن ازدحاما سيقع هناك وسيعرق الجميع بغزارة؛ البعض سيغرق في العرق إلى ركبته، والبعض إلى رقبته، والبعض إلى فمه، إلى حذو أذنه. عرق وازدحام واكتظاظ وحرارة. في ذلك اليوم سيستظلّ المتحابون في الله بظلّ العرش الأعلى. وسينظرُ إليهم ناسُ المحشرِ من تحتٍ وكأنهم ينظرون إلى النجوم. عندما بيَّنَ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا:

"يا رسول الله، هل المستظلون بظل العرش أنبياء؟ هل هم شهداء؟"

"لا"

هم المتحابون في الله. "هم إخوة الآخرة المتحابون في الله. يحبون بعضهم في الله."

أنتم لماذا تحبون بعضكم؟

لأننا أيضا نحب بعضنا في الله، نحن إخوة.

هذا أيضا من المحبّة المقبولة. طبعا هذا بالنسبة لمُصادقة المسلمين العاديين لبعضهم البعض. [لكن] هناك شيء كان عليّ أن أقوله من قبل: محبّة العباد الجيّدين. محبّة المرشدين الكاملين والعلماء العاملين وأولياء الله والصالحين وأصحاب الخير والحسنات. محبة الشهداء والغازين. هذه أيضا محبة مقبولة.

نحن نقول السلطان محمد الفاتح جُعل مثواه الجنة، ونحبّه؛ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مدحهُ. نقول سيّد بطال غازي، ونحبّه ونزوره. نقول خير الدين باشا بربروس، ونحبّه كثيرا. كلّما مررتُ بمنطقة بشيك طاش أقرأ الفاتحه [عليه] (قبر خير الدين بربروس يقع في بشيك طاش)، أنا أحبه كثيرا. لأنهم أناسٌ مباركون.

علينا أن نحبّ أخانا المؤمن وإن كانت لديه عيوب. لأنّ كونه مؤمنا يعني قيمة كبيرة جدّا يظلُّ عيبُهُ بجانبها صغيرا. بمجرّد أن يصبح ذلك الإنسان مؤمنا يُصبحُ قيِّمًا بسبب جوهر الإيمان؛ علينا أن نحبّ المؤمن وإن كانت لديه عيوب. لأنّه لا وجود لوردةٍ بدون أشواك. وإذا دققت النظر ستجد أن للجميع عيوبا. وإذا مسح إنسانٌ الناسَ من الدفتر بسبب العيوب لبقي بلا رفيق ولا صديق.

من أراد حبيبا بلا عيوب، بقي في العالم بلا حبيب.

لا وجود لحبيبٍ بلا عيوب، لأن انعدام العيوب أمرٌ خاصّ بالله. الكلّ لديهم عيوب. وعليه علينا أن نعتاد على حبّه بما فيه من عيوب، وعلى رؤية جوانبه الحسنة.

مرّ عيسى عليه السلام مع أصحابه بجثّة كلبٍ. الحيوان مات وانتفخ وفاحت رائحته. فأغلق الجميع أنوفهم وأداروا وجوهم قائلين: "ما أنتن رائحته" ومرّوا. فقال عيسى عليه السلام:

"لكن أسنانه كانت شديدة البياض مثل اللؤلؤ. هل انتبهتم لذلك؟"

رؤية الجمال حتى في ذلك المشهد. هذا درسٌ بالنسبة لنا. وبالفعل لكلِّ شيء جانبٌ جميل، يجب رؤية ذلك أيضا.

ثمّ محبّة الناس حتّى وإن كانوا عصاة.

"شيخي، يبدوا أنكم تحمّستُم مجاراةً للَقَبِكُم[1] لقد بدأتَ في المبالغة قليلا، وهل يُحَبُّ العاصي؟ ألا يجب أن نغضب من العاصي؟"

نفهم من الحديث الشريف لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أنّ المعصية يُغضبُ منها وأنّ المُذنبَ يُشفَقُ عليه.

"يا للأسف، أخي هذا سيدخُل جهنّم، أيّ عملٍ خاطئٍ يقوم به. أنا أشفق عليه، سيكون الأمر مؤسفا."

عليك أن تغضب من المعصية وتشفق على العاصي ولا تغضب منه.

وإذا عيَّرَ إنسانٌ شخصًا عاصٍ وغضب منه ما الذي يكون؟

يقول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم:

إن عيّرهُ ابتُلِي به. "يجعلُ ذلكَ الإنسانَ يقوم بتلك المعصية ويُخزيه". "إذا عيَّر إنسانٌ عاصيًا فإن الله يُرجعهُ إليه ويجعلُه يقوم بنفس الخطأ الذي قام به ذلك الشخص الذي عيّره، ويُخزيه. يجعلهُم يقولون: "لقد عيّرتهُ، فانظُر كيف قمت أنت أيضا بذلك". في النهاية يتلوَّثُ هو أيضا بذلك البلاء وتلك المعصية. يجب أن لا نُعيِّرَ. وإن رضي به شاركه. "وإذا رضي فحينها يكتسب إثما وكأنه ارتكب تلك المعصية". بالرغم من أنه لم يقترف وتوقّفَ هنا فإنه يكسب إثما بسبب رضاه بذلك. وإن اغتابهُ أثِم. "إذا تكلّم واغتابه كان عاصيا". عليك أن لا تغتابهُ حتّى لا تأثم. عليك أن لا تُعيِّرهُ حتى لا يحصُل لك نفس الأمر. ولا ترضى عن فعله حتى لا يُكتب لك نفس ذنبه.

وماذا يبقى بعد ذلك؟

تبقى الشفقة ويبقى السعي من أجل تخليصه.

لذلك علينا أن نحبّ الناس. جميع هؤلاء الناس إخوتنا من جدّنا آدم؛ علينا أن نشفق عليهم.

ثم محبّة المخلوقات. وهذا أيضا مقبول. هذا أيضا يُوصى به. يجب الإشفاق والرحمة. إحدى النساء حبست قطّةً و قتلتها، كانت سببا في موتها. لم تترُكها حتى تصطاد وتمسك شيئا ما فتأكله وتواصل حياتها، كما أنها لم تعطها الغذاء. حبستها وكانت سببا في موتها. لذلك ستدخل جهنّم. يعني ذلك أن علينا أن نحبّ المخلوقات أيضا.

كان بعض الشيوخ يكلفون مريديهم بوظائف فيقولون:

"لقد قُمتَ بهذه الخدمة، أحسنت. قُمتَ بالقدر الفلاني من الخدمات، أحسنت. هيّا إذًا فلتقُم الآن بمداواة الحيوانات المريضة. هيا إذًا إدهَن الحيوانات الجرباء بالمرهم. هيا إذا ضمّد أجنحة الطيور ذات الأجنحة المكسورة واعتنِ بها حتّى تُشفى".

من اللازم محبّة جميع الموجودات ذات الأرواح والموجوعة والشفقة عليها ورحمتها.

سأل أحدهم سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم:

"يا رسول الله، لديّ جِمالٌ أقوم باستخراج الماء [لها] من البئر فتُؤلمني يديّ"

إذا كان الإنسان يسحب الماء باستمرارٍ فإن يديه تحمرّ ويتجمّع فيها الماء وتؤلمه حتّى يصبح الألم لا يُحتَمَل.

قال: "أنا أسحبُ وأُفرّغُ (الدّلو). فتأتي جِمالٌ لا نفع منها، مريضة ومُسِنّةٌ وسائبة، فتشرب هي أيضا. فقال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: "وليكُن، فلتشرب هي أيضا. لأنّ في منح الماء لكُلّ ذات كبدٍ ثوابٌ". حيوانٌ لا نفع منه، أصبح مسنًّا وحتّى صاحبُه لم يعد يلقي له بالًا وتركهُ، ولكن هناك ثوابًا حتّى في سقيه الماء. 

هناك أشياء أخرى محبوبة، وهناك محبوبون آخرون. فإذا كان للإنسان ذوق جميل وإذا كانت طبيعته جميلة –نقول طبعُهُ سليم- فسيُحبّ بعض الأشياء. وكلُّ حاسّةٍ تُحبُّ الشيء الذي تُدركُه. فالعين مثلا تحبّ الألوان والأشكال الجميلة. والأنف يحبّ الروائح الجميلة. فسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث". أحدها الرائحة الطيبة (الطِّيب).

(الإنسان) يحبُّ الأصوات الجميلة؛ صوت الطير ورقرقة المياه. يقولون: "الموسيقى غذاء الروح". الإنسان يحبُّ الأصوات الجميلة والكلمات الجميلة. يحبّ الأشياء الناعمة والأشياء المصقولة والأشياء اللطيفة والأشياء الحارّة والحرير والفرو. يمكن ذلك، فهذه أيضا ممّا تميل إليه طبيعة الإنسان وذوقه السليم وطبعه السليم. كلّ ذلك ممكن، يمكن أن يُحبّ ذلك بشكل عاديّ. ولكن يجب أن يكون ذلك في دائرة محدّدة وأن لا يكون فيه مبالغة.

هناك مثلٌ عربي يقول:

"من لم يعرف الشرّ يقع فيه" عليه أن يعرف ماهية الشر حتى لا يقترفه.

بالنسبة لهذه المحبّات تمام؛ علينا أن نحبّ أصدقاءنا وآباءنا وأمهاتنا وزوجاتنا وأطفالنا. بالنسبة لهذه تمام، ولكن فلنعرف المحبّات غير المقبولة حتى لا نقوم بعمل خاطئ.

في الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة تمّ التنبيه من محبّات غير مقبولة. الكثيرون متعلقون بهذه المحبّات والكثيرون يقعون فيها ولكنها غير مقبولة.

"حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة".

طبعا الدنيا التي نقصدها ليست هذه الكرة الأرضية. فالأشياء التي أخذت بقلب الإنسان في حياتنا التي نعيشها هي الدّنيا. والإنسان إذا جعل من هذه غايةً له وعمل من أجلها وأحبّ هذه فقط ونسي الآخرة التي هي الطرف الآخر و"الحياة الأخرى"، حينها كانت تلك المحبّة غير مقبولة. هناك آية كريمة تقول:

(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب)

هذه الأشياء المعدودة هي أشياء باقية في الدنيا ولا تنتقل إلى الآخرة. فالإنسان لا يستطيع أخذ ماله ومُلكه ونقوده إلى الآخرة. هذه أشياء باقية هنا، أشياء فانية. يجب أن يكون الهدف الأصلي للإنسان هو الآخرة، عليه أن يكون صاحب زهد في هذه الدنيا.

ما معنى الزهد؟

يعني "أنْ لا يستوطن حبّ الدنيا قلبَ الإنسان".

الزهد هو أن تستطيع أن تقول: "الدنيا ليست مهمّة بالنسبة لي، المهمّ هو رضاء الله. المال ليس مهما بالنسبة لي، المنصب والمقام ليسا مهمان. أن لا أكسب مالا خير لي من ارتكاب الذنوب لأكسبه... أن لا أصل إلى منصبٍ خير لي من أن أقترف الذنوب وأحرق النفوس وأظلم لكي أصل إليه".

الزهد هو "شبع العين"، هو "عدم تطلّعها للدنيا". المسلم يجب أن تكون عينُه شبعانة، و يجب أن لا يكون طويل أملٍ.

طول الأمل إحساس سيء ولكن ماهيته لا يعرفها الجميع بشكل جيد. وصلت إلى هذه القناعة بالسؤال والبحث. طول الأمل يعني: "نسيانُ أنّ الموت يأتي بغتة، وامتداد الرغبات والأهواء وتوسّعها لسنواتٍ..."

"كيف حالك؟ ما الأخبار؟ ماذا تصنع؟"

"بخير. هذه السنة سأفعل كذا، وفي السنة القادمة سأفعل كذا، وبعد ثلاث سنوات سأفعل كذا، وبعد خمس سنوات سأُزوّج ولدي، وبعد عشر سنوات سأذهب للحج، وبعد خمس عشرة سنة سأفعل كذا."

ما الذي يُدريك؟ هل عندك سند ضمانة للبقاء إلى ذلك الوقت؟

هو طويلُ أملٍ، يعتقد أنه سيعيش. في حين أن الموت يأتي بغتة، يأتي في لحظة؛ لا يُعلم أبدا. يأتيك في وقت وزمان لا تتوقعهما. يمكن أن يأتيك فجأة أثناء نشاطٍ حياتيّ متستمرٍّ وممتع.

يجب على الإنسان أن يُخرجَ طول الأمل من داخله. عليه أن يكون مستعدا لأنّ الموت قد يأتي في أي لحظة. هذا شعورٌ مهمّ جدا؛ شعور مهم جدا بالنسبة للمسلم الجيّد. علينا أن نطوي دفتر طول الأمل وأن لا نجعل آمالنا طويلة وأن نكون يقظين؛ علينا أن نكون مستعدّين لأنّ الموت قد يأتي في أي لحظة.

هناك حديث شريف آخر رواه الخطيب البغدادي عن جابر رضي الله عنه:

(من أحبّ قوما على أعمالهم حُشر يوم القيامة من زمرتهم فحُوسِب بحسابهم وإن لم يعمل أعمالهم).

" من أحبّ قوما على أعمالهم حُشر يوم القيامة من زمرتهم فحُوسِب بحسابهم. حتى وإن لم يرتكب ما ارتكبوه من ذنوبٍ فسيُحاسب هو أيضا"

هذا يعني أن الحذر واجب؛ يجب على الإنسان أن يعرف من يصاحب ومن يُلازم ومن يُحابب.

كما أنّ محبّة بعض الأشياء بلا ضابطٍ وبشكل مبالغ فيه أمرٌ غير مقبول. مثلا، المبالغة في الأكل؛ نسمّي ذلك بالشَّرَه، يقولون عن ذلك "شهوة البطن". مثلا شهوة الفرج. مثلا الحرص المال. الجميع يُحب المال ولكن بإنصاف، أما هذا فقد بلغ درجة الحرص. هذا الأمر غير مقبول.

المال والملك والثراء وغيرها، هذه كلّها مؤقّتة. لا أستطيع المرور قبل أن أذكُر كلمة يونس:

صاحب المال، صاحب المُلك

وماذا عن صاحبهما الأول.

المال كذبة والمُلك كذبة

مازال القليلُ من الوقت فمَاطِلْ.

ما أجمل ما قاله، كلمة مثل الوعظ. يُنهي [الأمر] باقتضاب حيث يقول: "المال كذبة والملك كذبة. إذا كنت لا تصدّق فمازال القليل من الوقت فماطِلْ؛ ستندم بعد ذلك". سيكون [كلّ شيء] موزونا.

حبّ الجاه، "حبّ المنصب والمقام".

في الإسلام لا تُطلبُ الوظيفة. وإذا مُنحت لأحدٍ عليه طلب العون من الله والسعي إلى القيام بها.

أرادوا أن يجعلوا من سيدنا الإمام الأعظم قاضيا فلم يرضى وقال: "لا أريد". يجب أن لا يُطلب [القضاء].

ثمّ حبّ الرئاسة. هناك حديث شريف يقول فيه سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم:

" مامن رجل يلي أمر عشرة فما فوق –سواء كان إنسانا جيدا أم سيئا- إلا أتى إلى أرض المحشر مثل الأسير، مثل المذنب مغلول اليدين. لو أحسن قيامه بالرئاسة ستُحلُّ يداه في أرض المحشر، وإذا استغلّ وظيفته ولم يحسن القيام بها، إذا استعمل نفوذه وقوته ورئاسته في الشرّ، سيُقيَّدُ بقيودٍ بعضها فوق بعض ويُرمى في جهنّم".

هذه الأنواع من المحبة غير مقبولة. يعني أن هناك أنواع مقبولة وأخرى غير مقبولة.

هذه الأمثلة التي ذكرناها إلى حد الآن هي محبّاتٌ إيجابة وسلبية مُشاهَدَةٌ بين الجميع. تُشاهَدُ في كلٍّ مكان. وهي (هذه المحبات) ليست الغاية الأصلية في هذه الحياة الدنيا؛ فهي فانية وخيالية ولا قيمة لها. فالمحبة الأصلية هي العشق الإلهي ومحبّة الله. ولكن هذا الأمر لا يمكن للجميع أن يدركه. فحتّى يُدرك الإنسان أن المحبوب الأصليّ هو الله، عليه أن يبذل جهدا بالغا. لا يمكن للجميع أن يُدرك هذا الأمر بهذا الشكل، وحتى إذا شرحتهُ فلن يفهمه جميعهم. لأنّ هذه مسألة متعلقة بمستوى النضج وهي ليست سهلة. سأشرح هذا قليلا:

الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.

نحن لماذا نحبّ إنسانا أو شيئا؟ ألسنا نُحبّه لجمال وصفه؟

أجمل الأوصاف عند الله. ومن هنا، من هذه الآية الكريمة يُفهم أنّ من لديه إدراك يفهم مباشرة أن أكثر من يجبُ أن يُحَبَّ هو الله. لأن الله لديه أجمل الأشياء والله يملكُ أجمل ما في كلّ شيء.

لذلك قسّم القدماءُ العشقَ إلى قسمين:

أحدهما العشق الحقيقي والآخر العشق المجازي.

العشق الحقيقي هو عشق الله، محبّة الله، هذا هو الحقيقي. والباقي هو العشق الفاني. فالإنسان قد يصبح عاشقا ثمّ يندم ربّما، ثمّ قد يصبح عدوّا حتّى. ثمّ يذهبون حتى إلى المحكمة وينفصلون.

العشق الحقيقي هو العشق الإلاهي. لأن أجمل الأسماء هي أسماء الله، ولأنه صاحب أجمل الأوصاف، وهو الأجمل. طبعا نحن لا يمكننا إدراكه.

ليس كمثله شيء. ليس كمثله شيء حتى نشبهه به. لو قلنا مثل الورد، أو مثل البقلاوة، أو مثل القشطة؛ هذه الأوصاف نستخدمها للتعبير عن الأشخاص. وجه البنت مثل القشطة.

الشاعر الشعبي قال ذلك، حيث شبَّه وجه محبوبته بالقشطة.

"الزيت والعسل يسيلان من فمك".

لقد شبّه كلامها بالزيت والعسل. هذا التشبيه لا يصلُح مع الله. ليس كمثله شيء ولا يشبهه شيء حتّى يُشبَّه به.

يقول تعالى: فلا تضربوا لله الأمثال.

ولكن كيف نُدرِك؟

إذا كان إدراك ذات البارئ غير ممكن للبشر، يمكن أن نُدرِك من خلال أسمائه وأفعاله. نُدرِك من خلال أعماله وحكمته ومخلوقاته وتجلّياته. وهكذا يمكن من خلال هذه الأمور إدراك ذلك الجمال.

لأنّه هو خالق جميع أنواع الجمال وجميع الجميلين فإننا عندما نُحبُّ جميلا نكون قد أحببناه هو في الأصل. وهذه المحبّة تعود إليه لأنه هو خالقها. كما أنّ كلّ أنواع التقدير راجعة إليه وكلّ شكرٍ يذهب إليه وكلّ أنواع المدح والثناء تصل إليه. هي حقُّهُ لأنّ كلّ شيء لهُ. هو خالق السماء والأرض والإنس والجنّ، وكاسي الأشجار بالأوراق، ومُزيِّنُ الأعشاب بالأزهار؛ مُخرِجُ النبات من الأرض والعسل من النّحل والحليب من الأغنام. كلّ شيء له هو.

لذلك فإنّنا بحبِّنا لأي شيء نكون قد أحببنا فعلا من أفعال الله؛ نكون قد أحببنا مخلوقا له أو حكمة له. فمجموع كلّ المحبّات يذهب إليه جميعا.

عندما نمدح وردةً فإن الله خالق ذلك الجمال. كم من الألوان والطُّعوم المختلفة [تخرج] من أرضٍ واحدة. لقد خلقَ هذا الجمال الذي نراه في الدّنيا؛ وفي الآخرة جمال مدهش أكثر لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر. وفوق ذلك دعوة من الله تعالى، فهو يدعونا جميعا إلى الجنّة.

بسم الله الرحمن الرحيم، (والله يدعوا إلى دار السلام).

وعدُه حقّ وهو لا يخلف الميعاد.

هذه الأمور هكذا من حيث اللفظ، لكن إدراك حقيقة اللفظ والتأثر بها والأخذ بها لا تكون من نصيب الجميع. لا يمكن للجميع أن يصلوا إلى عشق الله ذاك وإلى محبة الله تلك. لذلك يسعى الشيوخ الكبار والمرشدون الكاملون إلى جعل مريديهم يهتدون بسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلّمونهم ذلك لكي يصلوا إلى الله.

يقول أشرف أوغلو الرومي: "للشيخ وظيفتان: تحبيب الله للعباد وتحبيب العباد لله".

كيف يكون تحبيب الله للعباد؟

تقرأ الشعر وتنشد الأناشيد الإلهية؛ تلتقط الصُّوَر وتجعلهم يتابعون الفيديوهات وتعرض لهم حِكَم الله والجمال الذي خلقه؛ تقول لهم: "اُنظر، هذه النعم منحها الله لك"، فيحبّونه. فتحبيب الله للعباد يكون بالبيان والعرض.

تحبيب العباد لله دورُ من؟

من وظائف الشيخ أن يُحبِّب العباد لله. دور من هذا؟ أشرف أوغلو الرومي يجيب عن ذلك فيقول: "هذه الوظيفة يقوم بها الشيوخ من خلال جعل المريدين يهتدون بالسنة السنيّة". لأن هناك آية كريمة معناها أنّ "الله يحبّ المهتدين بالسنّة". كانوا يقولون: "يا إخواني، يا دراويشي، اهتدوا بالسُّنّة". وكانوا يبيّنون أنّ من لا يهتدي بالسّنة لا يمكنهم أن يصلوا إلى شيء.

لقد وصل يونس، ووصل مولانا، ووصل أشرف أوغلو الرومي؛ هذا واضح من أشعارهم. أنا معجب جدّا بأشرف أوغلو الرومي.

يا إلهي، لا تبعدني عنك.

لا تبعدني عن جمالك.

السمكة تحيا داخل الماء.

إلهي، لا تبعد السمكة عن البحيرة.

إنّ حبّكَ ديني وإيماني.

إلهي، لا تبعدني عن الدين والإيمان.

أشرف أوغلو عبدك العاجز

إلهي لا تبعد عبدك عنك

انظُر إلى المحبّة، المحبّة تترقرق من الكلمات. ويونس أيضا كذلك:

إذا قتلوني

ونثروا رمادي في الفضاء

فإنّ ترابي إذا نادى [سيقول]

أنتَ من أحتاجُه أنتَ

إذا حرقوه وجعلوه رمادا ونثروه في الهواء وتفرّق غبارُه، فإنّ ذرّات غباره ستقول: "يا ربي، إنّني أُريدُك".

يقرؤون الصلوات لأنّ يونس مات.

الميّتُ حيوان، فالعاشقون لا يموتون.

انظر إلى العبارة.

الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، الصلاة والسلام عليك يا حبيب الله.

"يا جماعة المسلمين، تعلمون أن هناك شخصا اسمُه يونس أمره؟"

سيقولون: "إنا لله وإنا إليه راجعون، فلتعلموا أنه مات".

وهو يقول: "الميّت حيوان، فالعاشقون لا يموتون".

الحيوان يأتي بمعنيين في العربية، أحد المعنيين: الحياة. حيث يقول تعالى في الآية الكريمة: وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.

الحياة هي الميّتُ؛ يعني أنّ "الحياة الماديّة تموت، حياة البدن تموت". ولكن بما أن يونس شاعر وبما أنه أديب فإنه يقول ذلك بنُكتةٍ. إنه يريد أن يقول: "إذا كان حيوانا يموت، وإذا كان إنسانا لا يموت"، هو يُشعِرُ بذلك أيضا. يقول: "إذا كان عاشقا وإذا كان يحب الله فإنه لا يموت".

هل مات يونس؟

في قلوبنا؛ تعيش ذكراه ويعيش هو. أصلا الروح لا تموت، ولكن هذا لا يمكن للجميع أن يدركوه. ولماذا لا يمكن للجميع أن يدركوه؟ لأنهم غير لائقين به، فالله لا يُقدِّرُ ذلك للجميع.

شمّةٌ من معرفة الله خير من الدنيا وما فيها. "إلمام قليلٌ من الإنسان بمعرفة الله وعرفان وإذعانٌ قليلٌ وإدراكٌ وحسٌّ قليلٌ وشمّةٌ من معرفة الله خير من الدنيا وما فيها".

محبة الله تولد من معرفة الله. عندما يعرف الإنسانُ الله يحبُّه ويقول: "ما أجملك يا ربي". حينها يُدرك، وعندما يُدرك يُحبّ.

انظُر، سأقرأ شعرًا لواحدٍ محبٍّ:

يا كثير اللّطف جميلَ القهر

لطفك جميل وقهرك جميل

لو حصل من جلالك جفاء

أو من جمالك وفاء

كلاهما للروح صفاء

لطفك جميل وقهرك جميل

"يا ربي، إذا حصل لي جفاء من تجلي جلالك وإذا تعرضتُ للجور والجفاء، أو إذا حصل لي شيء لطيف وجميل وصافٍ من تجلي جمالك؛

فكل ما يأتي منك جميل

سواء كان وردةً أو شوكا

سواء كان خلعةً أو كفنا

لطفك جميل وقهرك جميل

انظُر كيف يكون حبُّه إذا أحبّ. لأن الإنسان إذا أحبّ الله أحبّه بكلّ ما لديه فيصير عاشقا. والله لا يمنح هذا الإحساس للجميع بل يمنحه للعباد السّامين والكاملين. فالإنسان عندما يرتقي في الكمال يُدرك هذا الإحساس وينالُه ثم ينغمس فيه.

بالطبع هناك شرط للوصول إلى ذلك، فطريق الوصول هو طاعة الله.

هل يحبّك الله وأنت تعصيه؟

شرط المحبةِ الإيمانُ، فإذا غاب الإيمان فإن الله لا يمنحها. لا يمنح معرفة الله ولا محبة الله. جميعها زائفٌ وخيال ولعب ولهو.

ثمّ يمنح بسبب الأدب. الإيمان والطاعة والأدب. فهو لا يمنحها لعديم الأدب أيضا. نحن لا نُحبُّ الطفل عديم الأدب، والله كذلك لا يحبّ العبد قليل الأدب.

الأدب تاجٌ من نور الهُدى.

البَسْ ذلك التاج وكُن آمنا من كلّ بلاء.

العلم يأتي في الأخير، الأدب واجب، الأدب واجب.

هناك أنواع من المحبة تتبع محبّة الله. فمُحبُّ الله يجد نفسه بعد محبّته له مباشرة داخل محبة لازمة. فمن يصل إلى محبّة الله يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. محبّةُ رسول الله. هناك الكثير من الآيات والأحاديث حول هذا الأمر لذلك لا أرى داعيا لذكرها. محبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهمة جدا.

ذات مرّة أمسك المشركون بأحدهم وأخذوه لتعذيبه في الصحراء. كانوا يمسكون بسيوفهم ليقتلوه. فقال أحدهم مستهزئا:

"انظُر، أترى؟ كلّ هذا بسبب إيمانك بمحمّد ذاك. مذا لو لم تؤمن به وكنا قد أمسكنا به بدلا منك، مذا لو كنا قتلناه. مذا لو كنت أنت بين أولادك معافًا في بيتك الدافئ. انظُر، ها نحن نأخذك لنقتلك. ليته كان هو بين أيدينا وأنت بين أهلك".

ماذا أجابهم؟

قال: "لا، والله وبالله لا أرضى أن تصاب قدم رسول الله بشوكة وليس أن يقع في أيديكم فتعذّبوه؛ جُعلت روحي فداء له".

هكذا كانوا يحبون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد عرّضوا صدورهم للسهام في الحروب وفدوه بأرواحهم.

يجب أن تكون المحبّة كذلك.

قال عليه الصلاة والسلام في حديثٍ شريف:

"ليتني ألقى إخوتي"

فأُثير انتباهُ الصحابة الكرام فقالوا:

"يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟"

فقال: "لا، أنتم أصحابي. وإخواني هم أشخاصٌ سيأتون في العصور اللاحقة بعد وفاتي، آمنوا بي ولم يروني. أولئك هم إخواني".

هو يُحبُّنا من وراء العصور، ونحن نحبّه من وراء العصور. لأن رسول الله حبيب الله ونبي الله. ونحن نحبّه كنتيجة لمحبّة الله.

هناك حديثٌ رواه ابن عبّاس رضي الله عنه وحسّنه الترمذي يقول:

"أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي"

من يحب الله يحبّ رسول الله.

سألوا في حديثٍ شريفٍ قائلين:

"يا رسول الله، ما الإيمان؟ هلا شرحت لنا، فلنسمع من فمك المبارك"

قال أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك مما سواهما.

هذا هو الإيمان، قال: " أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك مما سواهما، هذا هو الإيمان". هذا مهمّ جدا.

ثمّ إنّ من يحبُّ الله يرضى بالقدر ويحبُّهُ ويسلّم للحقّ.

ومُحبُّ الله يحبّ لقاءه. فقد ورد في الحديث الشريف:

من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وأحبّه. ومن كره لقاء الله ولم تعجبه مقابلته كره الله رؤيته وحضوره إليه ولم يحبّه". الأمر يكون حسب مشاعر الشخص.

يقول الله تعالى: (أنا عند ظنّ عبدي بي). (من أراد أن يعلم ما له عند الله عز وجلّ فلينظر ما لله عز وجل عنده). "من أراد أن يعلم ما له عند الله عز وجلّ فلينظر ما لله عز وجل عنده؛ ما مقدار علاقته بالله؟ فلينظر إلى ذلك؛ ما قدر الله وقيمته عنده؟ فلينظر إلى ذلك".

تعلمون أن مولانا جلال الدين الرومي بدأ مثنويَّهُ بالحديث عن الناي.

Bişnev ez ney çün hikayet mî kuned

Ez cüdayîhâ şikâyet mî kuned.

(الأبيات بالفارسية)

اسمتعوا إلى حكاية الناي، إنه يشتكي من الفراق. وما الفراق؟

Kez neyistan tâ merâ be-borîde end

Der nefîrem merd ü zen nâlîde end.

(الأبيات بالفارسية)

"منذ أن اقتطفوني من المقصبة، منذ أن فارقت وطني، منذ تلك الحسرة، أصبح الناس يبكون كلّما سمعوا نحيبي". عازفوا الناي لا يقولون: "عزفُ الناي"، ولكن يقولون: "النفخ في الناي". فعندما يُنفخُ فيه يقطُر الماء من أعماقه.

Âteşest în bang nây u nîst bâd

Her ki în âteş nedâred nîst bâd.

(الأبيات بالفارسية)

هذا بيتٌ مدهش.

"صوت هذا الناي ليس نفخا وليس هواء؛ إنه نار. لا كان من لم تكن في داخله هذه النار".

أعجزنا على أن نكون مثله؟ أعجزنا على أن نكون مثل قصبة صغيرة مثقوبة من طرفيها وعلى طولها ثقوب؟

هو يقول: ". لا كان من لم تكن في داخله هذه الحرقة".

ما سبب تلك الحرقة؟

إنها بسبب حسرته على وطنه الأصلي؛ إنه بشتاق إليهما ويريد أن يذهب إلى هناك. والإنسان أيضا يجب أن يكون كذلك؛ عليه أن يرغب في لقاء الله لأنّه عبد الله.

علينا أن نُجهّز لتعبِئة محبّةٍ كبيرة.

علينا أن نتعلّم المحبّة وأن نعلّمها لأولادنا.

علينا أن نربي أولادنا بالمحبّة؛ علينا أن ننشأهم كأشخاص عارفين بالمحبّة فاهمين ومدركين لها. عليهم أن يفهموا المحبّة.

علينا أن نعمل بصورة تستدعي المحبّة. يجب أن يكون جلوسنا وقيامنا وكلامنا وصمتنا وعملنا بأسلوبٍ يستدعي المحبّة.

علينا أن نكون وأن نتحرّك بصورة تستدعي المحبّة. علينا أن نتعلم الكلام بأسلوب يستدعي المحبّة.

يجب أن نعرف كيف نتكلم كلاما جميلا وأن نتعلّم ذلك.

ثمّ علينا أن نسعى للوصول إلى معرفة الله ومحبّته وعشقه. هذا أمر مهمّ، أمرٌ مهمّ جدا. ليس تزيُّنًا، فالمؤمن ليس متصنّعا؛ إنها النار التي في موقِدِك، في عمق قلبك. إنها مصدر الطاقة وأصل الأمر وأساسه. علينا أن نسعى لنيل ذلك.

يجب أن نكون مثل يونس أمره ومثل مولانا ومثل أشرف أوغلو الرومي.

بوصفنا إخوة، علينا أن نعرف بعضنا وأن نحبّ بعضنا؛ علينا أن نقترب من بعضنا وأن نتّحد وأن نتعاون.

وعلينا أن نتنظّم من أجل هذه الغايات العلوية.

يجب أن تكون هناك منظّمةُ محبّةٍ.


* البروفيسور محمود أسعد جوشان رحمه الله، عن المداخلة الذي قام بها في مدينة ميونخ بألمانيا بتاريخ: 15.03.1997. 

[1] الشيخ لقبه جوشان، وجوشان تعني المتحمّس في التركية.

مقالة “Sevgi ve Kardeşlik” Prof. Dr. M. Es'ad Coşan (Rh.a.)