الإسلام دين المحبَّة*

هذه محبّة أصليّة، إكرامٌ استثنائيّ من الله، لذلك يجب أن تُطلبَ منهُ هو بذاته ،والخطوة الأولى: للوصول إليها واستحقاقِها هي "التوبة"، والتوبة تعني العودة من طريقٍ خاطئ إلى الصواب، أي إنّ على الإنسان أوّلًا أن يكُفّ يده عن الذنوب التي هي سمومٌ معنويّة، وأن يُنظّف ظاهره وباطنه، وأن يتوجّه إلى الله، ويرجُوَ منه العفو، ويطلب منه العون. فمن الواضح أنّ العبد حين تلبُّسِه بحالٍ قبيحة وسخةٍ، وقيامِه بأعمال مُغضِبةٍ لا يمكن أن يكون لحُبِّه ومحبّتهِ مُقابلٌ، عليه أن يتنظّف ويتزيّن، ويُنظّم نفسه جيِّدًا. الخطوة الثانية: هي التفكّر والتأمل، والنظر فيما حولنا بعبرةٍ، فيجب على الإنسان أن يفكّر في طريقة ومغزى قدومه إلى الحياة، وفي مقصد الحياة وغايتها، وفي الموت وما بعد الموت، وفي ماهية وجوده وعملِه، وفي المخلوقات والأحداث التي حوله، وأن يسعى إلى إدراك الروابط التي بين تلك الأحداث. القرآن يريد منّا ذلك بإصرارٍ؛ لأن عملية التفكير العميق هذه ستحمل العبد إلى مُنشِئ ومُديرِ النظام الفريد الذي في الطبيعة، إلى الخالق العليّ ذي العلم والقدرة اللامتناهيين، ستُعرّفُه به، بل ستجعلُه مُعجباً به.

القراءة بلغة أخرى

البروفيسورالدكتور محمود أسعد جوشان (رحمه الله)

الإسلام هو دين السعادة، وهو يحتوي على أحكام قيِّمةٍ ثمينة تمنح السعادة للفرد في الدنيا والآخرة من جهة، وتضمن الطمأنينة للمجتمع من جهة أخرى.

وبهذا الاعتبار فإنَّه من الأهمّية بمكانٍ تبنّيهِ بحُبٍّ، وعيشهُ بإحساسٍ؛ لأننا أفرادًا ومجتمعًا نُحسُّ بآلام الابتعاد عن أحكامه المليئة بالحكمة، وعن معتقدِه الرّحب، ونرى ضرَر ذلك بكلّ وضوح.

وقد تنبّأ شاعرنا المرحوم محمد عاكف بهذه الحقيقة منذ سنواتٍ خلتْ، فقال:

لا العرفان ولا الوجدان يمنحان الرفعة للأخلاق

فشُعور الفضيلة في الناس مأتاهُ خوف الله

فليُفرض خوفُ الله الذي انتزع من القلوب...

فقطعًا لن يبقى للعرفان تأثير ولا للوجدان

صارت الحياة بهيميّة... لا بل أسفل من ذلك...

لا تنجُو الأمّة؛ لأنّه لا قوميّةَ ولا استقلال>[1]

وبذلك فإن السعي إلى جعل الفرد إنسانًا ومُسلمًا ناضجًا هو دَيْنٌ نحو الوطن.

من أين يجب البدء في تعزيز الحسّ الوجداني، وتوجيه الأفراد نحو الفضائل يا تُرى؟

أشار الشاعر إلى أنَّ كونَ الفردِ مُسلمًا جيِّدًا، وإنسانًا نافعًا يعتمد قبل كلّ شيء على البحث عن الله، وإيجادِه، ثمّ معرفته وحُبّه، هذه المحبّة مصدر قوّة لا نظير له، ومنبع سعادةٍ لا ينفد، وقد ارتفع العلماء المخلصون الذين نعرفُهم ونُحبّهم إلى تلك المراتب بهذه المحبّة، وبهذا القُرب.

ولذلك يقول مولانا: "فليَفْنَ كلُّ مَن ليس فيه هذه النار"([2]).

وقال أشرف أوغلو:

حُبُّكَ ديني وإيماني

يا إلهي لا تُبعدني عن الدين والإيمان

فرُوحُ السّمكة تحيا داخل الماء

يا إلهي لا تُخرجها من اليمّ([3])

أمّا "ديوان يونس" فيترنَّم بهذا العشق من أوّله إلى آخره، وأدبُنا الدّينيّ مليء بأشعار المحبّة هذه.

هذه محبّة أصليّة، إكرامٌ استثنائيّ من الله، لذلك يجب أن تُطلبَ منهُ هو بذاته ،والخطوة الأولى: للوصول إليها واستحقاقِها هي "التوبة"، والتوبة تعني العودة من طريقٍ خاطئ إلى الصواب، أي إنّ على الإنسان أوّلًا أن يكُفّ يده عن الذنوب التي هي سمومٌ معنويّة، وأن يُنظّف ظاهره وباطنه، وأن يتوجّه إلى الله، ويرجُوَ منه العفو، ويطلب منه العون.

فمن الواضح أنّ العبد حين تلبُّسِه بحالٍ قبيحة وسخةٍ، وقيامِه بأعمال مُغضِبةٍ لا يمكن أن يكون لحُبِّه ومحبّتهِ مُقابلٌ، عليه أن يتنظّف ويتزيّن، ويُنظّم نفسه جيِّدًا.

الخطوة الثانية: هي التفكّر والتأمل، والنظر فيما حولنا بعبرةٍ، فيجب على الإنسان أن يفكّر في طريقة ومغزى قدومه إلى الحياة، وفي مقصد الحياة وغايتها، وفي الموت وما بعد الموت، وفي ماهية وجوده وعملِه، وفي المخلوقات والأحداث التي حوله، وأن يسعى إلى إدراك الروابط التي بين تلك الأحداث.

القرآن يريد منّا ذلك بإصرارٍ؛ لأن عملية التفكير العميق هذه ستحمل العبد إلى مُنشِئ ومُديرِ النظام الفريد الذي في الطبيعة، إلى الخالق العليّ ذي العلم والقدرة اللامتناهيين، ستُعرّفُه به، بل ستجعلُه مُعجباً به.

عندما يبحثُ الإنسانُ بدقّةٍ سيفهم أن الوجود والقدرة والإمكانيات والنِّعَم التي يملكها هي أثرُ لطف الله وإحسانه، وسيُدركُ التناغمَ الخفيَّ في الفوضى التي تدور حوله، بل سيُدرك جيّدًا من خلال تجاربَ لا تُحصى أنّه قد نال بالتأكيد جوائز إلهية لقاءَ كلّ حركة خيِّرةٍ قام بها، وأنه قد عوقِب بالعدل الإلهي بسبب السيّئات.

سيصل إلى حكمةِ عملِ الكائنات الخفيّ، ويصير مُلمًّا بها، وسيجعله هذا الحدس وهذه المشاهدات مُتحمِّسًا، فيرتبط بالإرادة الإلهية كما يفعلُ من يُتقنُ السباحة حين يثقُ في البحرِ ويُسلّم لهُ، يرتبط بصاحب ذلك التناغم البديع بحُبٍّ واشتياقٍ عميقين، ويحترق.

وفي هذا يقول يونس:

أسع كلامك

وإن لم أرَ وجهك

من أجل رؤيتِهِ

تنتابني رغبة في دفع حياتي ثمنًا([4])

هذه المحبّة تتّجه بعد ذلك نحو جميع المخلوقات، وتنتشر لأجله هو (الله)، فتصيرُ حُبّاً للخير لا حصر له، وتسامُحًا واسعًا، ولذلك نرى قول يونس أيضًا:

لقد وجدتُ أرقى البساتين

فليُصبح بُستاني خرابًا،

وجدتُ أجودَ العسل

فلتُصبح خليّة نحلي خرابًا([5])

وباقي هذه المحبّة أيضاً مرتبطٌ بالشرط الذي في الخطوة الأولى، وبشرط الطاعة والتسليم، والطاعة والتسليم في نفس الوقت نتيجة طبيعيّة لهذه المحبّة، وضرورةٌ لها؛ لأن المُحبّ يسعى إلى إرضاء محبوبِه، ويُطيع أوامره ونواهيَه، ولا يُعارضه ولا يعصيه.

أمّا الأوامر والنواهي فتُمثّلُ قسم أحكام الدين التي أرسلها الله تعالى إلينا بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول في القرآن عن حبيبهِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"([6])، وفي سورة البقرة يُؤمرُ مُحبِّو الله بضرورة اتّباع محمد صلى الله عليه وسلم.

يعني أنه لا يمكن إيجادُ طريق الوصول إلى مرضاة الله ومعرفته حقَّ معرفته دون اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، واتخاذه دليلًا.

ونحن نرى حقيقةً أنّ الناس كُلّما نسوا إرشاد رُسُل الحقّ المبعوثين على مرّ التاريخ، وتصدّروا لتنظيم حياتهم المعنوية والدينية وفق آرائهم الضّيّقة وقعُوا في الخطأ.

ولطالما ظهرت في المجتمعات البدائيةِ عبادة الطوطم، والشجر، والحجر، والقمر، والشمس، والنجوم، والأصنام... ظهر تعدّد الآلهة، والشرك بالله، في حين أن الشرك بالله وعبادة ما سواه هو أكبر الذنوب والجرائم التي لن يغفرها الله كما أخبر في القرآن بالرغم من رحمته الواسعة، وعفوه الذي لا حدَّ له.

وعليه فإننا لكي نصل إلى محبّة الله التي لا حصر لها فإن علينا أن نجعل من آخر رُسله محمد صلى الله عليه وسلم مرشدًا لنا، وأن نسعى إلى معرفته عن قربٍ، وأن نُحسن تعلُّمَ سنّته وتعليماته، وأن نُراعي وصاياه.

محبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ضرورة لمحبّة الله، ومُتمِّمة لها، لذلك ورد في الحديث أنه: "لا يؤمنُ أحدكم"؛ أي: لا يصلُ أحدكم إلى مرتبة المؤمن الحقّ "حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه، ومن أمّه وأبيه، والناس أجمعين"([7]).

كيف لا نُحبّه والله تعالى جعل من محمد صلى الله عليه وسلم أصفى الناس والأنبياء، وزيَّنه بأوصافٍ عاليةٍ لا مثيلَ لها؟

هذه الحقيقة يُقرّ ويعترف بها الكثير من المفكّرين والباحثين، القدامى والجُدد، والغربيين والشرقيين من أمثال الفيلسوف المشهور "فولتر"، والأمير "بسمارك"، والشاعر "غوته".

وليس يمكن لمن عرفه بحقٍّ ألا يُحبّه، ولا يُعجَب بنقاء سجيّته وأخلاقه، وأحواله الاستثنائية.

تعالوا لنسعَ إلى توطين هذه المحبّة في داخلنا، وإلى نشرهافيمن حولنا، ولنُشعل القلوبَ بهذا العشق، ونوجّهها نحو الخيرات والفضائل، ولنجعل قومنا سعداء ومرفّهين، ووطننا عامرًا ومُوحّدًا، هذا هو الأساس المعنوي للسلام والأخوّة.


* المقالات الرئيسية : ص22-25 Başmakaleler 4, İdeal Yol, İstanbul: Server İletişim, 2016, s. 22-25,

([1]) محمد عاكف أرصوي (Mehmed Âkif Ersoy)، صفحات (Safahat)، 271.

([2]) هذا المصراع هو المصراع الثاني من البيت التاسع من المثنوي. وكامل البيت هو: "صوت هذا الناي نارٌ، لا هواء؛ فليفن كلّ من ليس فيه هذه النار".

([3]) ديوان رومي أشرف أوغلو (Eşrefoğlu Rûmî Dîvânı)، (ص: 374).

([4]) ديوان يونس إمره (Yûnus Emre Dîvânı)، (2: 96).

([5]) ديوان يونس إمره (Yûnus Emre Dîvânı)، (2: 356).

([6]) النجم (Necm): 3- 4.

([7]) حول الحديث الذي نُقلَ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، انظر: البخاري (Buhârî)، الإيمان (Îmân)، 7؛ مسلم ، الإيمان (Îmân)، 70؛ النسائي (Nesâî)، الإيمان (Îmân)، 19، حديث رقم (hadis no): 5013-5014؛ ابن ماجه (İbni Mâce)، الافتتاح (İftitâh)، 9، حديث رقم (hadis no): 67؛ أحمد بن حنبل (Ahmed b. Hanbel)، (3: 177، 275، 278)، حديث رقم (hadis no): 12837، 13939، 13991؛ الدارمي (Dârimî)، الرقاق (Rikâk)، 29، حديث رقم (hadis no): 2741.

مقالة “İslâm Sevgi Dinidir” Prof. Dr. M. Es'ad Coşan (Rh.a.)